.
.
.
.

ذكرياتي عن شارع المتنبي في بغداد

ناصر الحزيمي

نشر في: آخر تحديث:

في عام 1989 م سافرت ضمن وفد مسرحي كإعلامي للمشاركة في مهرجان المسرح العربي في بغداد. وكنا نشارك وقتها في مسرحية (البطيخ الازرق) ؛وهي من تأليف الأستاذ (محمد العثيم) وإخراج المخرج التونسي (عبدالغني بن طارة), وكانت من بطولة الفنان القدير (عبدالعزيز الحماد) رحمه الله. وكان الوفد الإعلامي المصاحب للفرقة المسرحية والتي كانت برئاسة الاستاذ (إبراهيم الحمدان) يغطي جميع مناطق المملكة. فكان من جريدة المدينة (عدنان جستنيه) وكان من جريدة اليوم الزميل (مبارك العوض) ، وكان من جريدة الرياض محدثكم. وكان من أمتع الأوقات التي قضيناها في ذلك المهرجان هو الحديث الجانبي الذي كان يدور في بهو الفندق, فتعرفت وقتها على فنانين من الكويت والبحرين والإمارات ومصر وتونس, اضافة إلى بعض الصحفيين الذين كنا نقرأ لهم ولم نتصل بهم بشكل مباشر إلا في هذا المهرجان. يضاف إلى ذلك ما كنت احضره من حفلات السمر التي كانت تقام في الفندق من مجموعة الفنانين. وكنت وقتها اتردد على بعض المكتبات المتفرقة حول الفندق. وبما أنني من عشاق التجوال بين الكتب والمكتبات, سعيت للذهاب إلى شارع المتنبي وهو أكبر مكان في العراق تجد فيه الكتب والمكتبات في مكان واحد متقارب. فشارع المتنبي في تلك الفترة التي زرته فيها يبدو أنه في أسوأ حالاته, فالكتب شحيحة جداً وقديمة ما عدا بعض الكتب التي تؤرخ للأسرة الملكية الهاشمية في العراق, فبعد تحسن العلاقات العراقية الأردنية أثناء الحرب العراقية الإيرانية, حاول العراقيون أن يعيدوا الاعتبار لفيصل الأول ملك العراق الأسبق, وابنه غازي وحفيده فيصل, وهذه الكتب صدرت غالباً مجاملة للملك حسين بن طلال ملك الأردن. كما صدر في تلك الفترة كتب عن رئيس الجمهورية العراقية الأول (عبدالكريم قاسم) ومن تلاه مثل (عبدالسلام عارف) وأخيه (عبدالرحمن عارف). ومما لفت نظري أثناء تجوالي وتصفحي للكتب, أن الكتب بشكل عام هي طباعة عراقية بورق رديء, فلم اشاهد في تلك الفترة كتباً من لبنان أو شمال افريقيا ،أو الخليج العربي ، أو مصر, فجميع الكتب عراقية غالباً وذلك من حيث الطباعة. ولعل السبب في ذلك يعود إلى ظروف الحرب وحالة التقشف التي تسببها هذه الظروف. وصدف أني اخذت كتاباً يحكي المشاكل الحدودية في زمن عبدالكريم قاسم ،واخذت اقلبه وقرأت عند البائع مقدمة الكتاب ؛ وهي عبارة عن رسالة دكتوراه , فوجدته يذكر في المقدمة فصلاً يتناول فيه المشكلة الحدودية بين العراق والكويت , واخذت الكتاب لهذا السبب وبقي معي لم اقرأه إلى أن عدت إلى الرياض فاستأنفت قراءته ثم بحثت قصداً عن الفصل الذي سوف يتناول فيه الباحث المشكلة الحدودية بين العراق والكويت في زمن عبدالكريم قاسم ولم اجد هذا الفصل ابداً, فتذكرت ما قاله لي صاحب المكتبة حينما رأى اهتمامي بهذا الكتاب فقال لي بأن هذا الكتاب هو عبارة عن رسالة دكتوراه وهو بحث رصين, ثم قال لي بلهجته العراقية (يابا شايلين منه فصل). ولم افهم سبب ازالة هذا الفصل عنية ! إلا بعد ثمانية شهور تقريبا حينما دخلت القوات العراقية ، واحتلت الكويت ظلماً وعدواناً, حينها فهمت أن التخطيط لدخول الكويت كان مبكراً. المهم انني كنت أعجب لسمعة هذا الشارع الثقافية, إلا انني في ذلك العام لم اجد إلا ورقيات تبيع المستلزمات المدرسية ، وبعض الكتب الهزيلة, أي نعم يوجد كتب (لجبرا إبراهيم جبرا) وبعض كتب التثقيف الحزبي التابعة لحزب البعث والغالب على الباعة لأنهم من احداث الاسنان. فلا يوجد ذاك الجيل الذي كنا نقرأ عنه مثل (قاسم الرجب) صاحب مكتبة المثنى.

أما المجلات فكان الموجود منها ما يتيسر من أعداد مجلة أقلام أو مجلة التراث الشعبي ، أو مجلة المورد , وجميعها تصدر في العراق . لقد كان الكتاب في العراق في تلك السنوات منخفض الثمن جداً، وكان يكتب سعر الكتاب على الغلاف, واذكر انني اشتريت كتاب عبدالكريم قاسم بما يقارب سبع مائة وخمسون فلساً أي ما يقارب الثمانية ريالات. حتى الصحف العراقية في تلك الفترة دون المستوى الإعلامي المطلوب فنوع الورق رديء جداً وحجم الصحيفة لا يتعدى الثماني صفحات. واذكر انني تابعت المسير في شارع المتنبي لعلي اجد وجهاً ممن كنا نقرأ لهم إلا أنني لم اصادف أي شخص. واذكر أنني في غير هذه المناسبة في أحد أيام مهرجان الجنادرية تحدثت مع الشاعر (عبدالوهاب البياتي) حول شوارع بغداد, اذ كان يحدثني عن مسقط رأسه عند باب الشيخ ويعنون هنا بالشيخ الصوفي (عبدالقادر الجيلاني) ومن هذا المكان أي باب الشيخ اكتسب الكثير من أهل بغداد ممن سكن حول هذا الباب أو ضريح الشيخ عبدالقادر لقب (الشيخلي). وقال لي البياتي إنه أدرك شارع المتنبي في أزهى عصوره، و إن الباعة فيه كانوا مثقفين جداً ومطلعين على أغلب ما يبيعونه من كتب , ثم أردف البياتي ذلك قائلا: (لكن الأحوال الآن تغيرت كثيراً عن الماضي).

* نقلاً عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.