"إلى إليز" لبيتهوفن: ألغاز وفرضيات لكن روعة البساطة واحدة

ابراهيم العريس
ابراهيم العريس
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
8 دقائق للقراءة

واحدة من فرضيتين: فإما أن العنوان الذي تحمله واحدة من أشهر المقطوعات في تاريخ الموسيقى الكلاسيكية وأكثرها شعبية، صحيح، وإما أنه خطأ ناتج من سوء قراءة للخط المتعجل والرديء الذي به كتب لودفيغ بيتهوفن، صاحب تلك القطعة التي نتحدث عنها، العنوان. والحقيقة أن الفارق هنا لن يكون مجرد فارق لغوي، بل سيعكس النظرة إلى واحد من أشهر الألغاز في تاريخ ذلك الموسيقيّ الكبير وأكثرها تعقيداً. فإذا كان العنوان كما وصلنا صحيحاً، سيبقى اللغز على حاله وسيواصل الباحثون والدارسون تعاملهم مع القطعة بوصفها مكتوبة لامرأة مجهولة أحب بيتهوفن أن يعبر لها عن حبه بالوسيلة المثلى التي يملكها، أي التأليف الموسيقي. وبالتالي، تبقى القطعة المعروفة باسم «إلى إليز» مكتوبة للمدعوة إليز التي يعترف الباحثون بأنهم لا يعرفون عنها شيئاً، مفترضين أنها، في نهاية الأمر، وجود غرام سرّيّ عاشه الفنان ذات لحظة من حياته وأسفر عن كتابته قطعة البيانو الرائعة تلك والتي دخلت القلوب والعقول، على الأقل منذ أعيد اكتشاف وجودها- كما سنرى بعد قليل- بعد عقود من موت بيتهوفن. وبالتالي، ستظل القطعة مرآة لحكاية حب دافق مليء بالشجن والفرح في الوقت ذاته. أما إذا كان العنوان غير هذا، كما يقترح باحثون آخرون، قرأه مكتشف القطعة بين أوراق بيتهوفن مخطئاً في تفسير الحروف، وبالتالي يكون الاسم الحقيقي للمرأة التي كتبت القطعة من أجلها، «تيريز» وليس «إليز»، فإن المسألة ستكون أكثر بساطة وغير حاملة أيّ قصة حب غامض وعلاقة خفية. ففي مثل هذه الحال، ستكون «صاحبة» القطعة تلك الفنانة المعروفة التي كانت ترتبط وزوجها بصداقة وعمل مع بيتهوفن، ويكون هذا الأخير، بالتالي، قد أهداها القطعة عربون شكره لها وتحيته لمناسبة نجاحهما في عمل مشترك كما سنرى بعد سطور.

> صحيح أن هذه الفرضية الأخيرة والتي بات المهتمون يميلون إليها أكثر وأكثر، تفقد الحكاية هالة عاطفية أكيدة، لكنها ومهما يكن من أمر، لن تنتزع منها قدرتها على إثارة شتى العواطف الساحرة التي يمكن أن تغمر بها أفئدة مستمعيها. فقوة هذه القطعة ليست في الحكاية المثارة من حولها، بل في جوهرها، في سحرها الموسيقي وبساطتها التلحينية. هنا يكمن سحر «إلى إليز» بصرف النظر عن دقة العنوان أو عدم دقته. ويقيناً أن الموسيقى في حد ذاتها، وليس حكاية الغرام المفترضة هي ما أعطاها قيمتها وتأثيرها عبر الزمن. ومن المؤكد أن تبديلاً في العنوان ينجم، مثلاً، عن يقين ما يتعلق بـ «أصل الحكاية» لن يفقد «إلى إليز» أيّ قسط من السحر. لكن مهما كان من شأن مشروعية كل هذه السجالات وأهميتها مقارنة مع انتشار القطعة، يبقى أنه لا يزال من الضروري الإشارة إلى أن «تيريز» التي يفترض البعض جدلياً أنها كانت هي السيدة التي كُتبت القطعة لها هي في الحقيقة تيريز فون ريرنباخ، تلميذة بيتهوفن التي كان قد عرض عليها الزواج لكنها رفضته مفضلة عليه الاقتران بنبيل وموظف كبير في الدولة هو البارون النمسوي فون دروسديك. في المقابل، يقول الباحث كلاوس مارتن كوبتس في دراسة نشرها عام 2010 أنه إذا كان صحيحاً أن القطعة كانت معنونة «إلى إليز»، فإن هذه لا يمكن أن تكون سوى المغنية (السوبرانو) إليزابيث روكل التي كانت تسمى إليز، وأنه أهداها إياها إثر نجاحها في تأدية الدور الرئيس في العرض الأول لأوبراه الوحيدة «فيديليو»، عربون شكر وتقدير ليس إلا.

> تنتمي «إلى إليز» إلى نوع موسيقي خاص دنا منه بيتهوفن بين الحين والآخر، ويطلق عليه اسم «باغاتيل»، وهو تعبير ذو أصل فرنسي يعني «أي قدر ما» من شيء معين، لكنه يستخدم في الفن والأدب للتعبير عن مقطوعة إبداعية تكتب كيفما اتفق وفي شكل شبه ارتجالي غير مخطط له سلفاً. والمعنى هنا يكاد يفيدنا بأن بيتهوفن كتب القطعة عفوياً كدفق شعوري أتى ابن لحظته. ويقول لنا تاريخ هذه القطعة أنها لم تكتشف إلا عام 1867 بعد أربعين عاماً من رحيل صاحبها. وكان مكتشفها الموسيقي لودفيغ نوهل هو الذي عثر- كما أكد بنفسه- على مدونات نوطة القطعة بخط بيتهوفن وتحمل توقيعه والعنوان المقترح لها. وكان نوهل هو الذي قرأ العنوان على أنه «إلى إليز» على الأوراق التي عادت وضاعت إلى الأبد بعد ذلك. ولقد أكد نوهل أيضاً أن الأوراق بخط بيتهوفن حملت تاريخاً محدداً هو السابع والعشرين من أبريل (نيسان) 1810. وهنا قد يكون من الضروري أن نذكر أن النسخة المتداولة اليوم من «إلى إليز» هي تلك نفسها التي نسخها نوهل عن الأوراق التي عثر عليها، علما أن ثمة نسخة ثانية أقل شهرة، اشتغل عليها الباحث في موسيقى بيتهوفن باري كوبر تختلف من نواحي عديدة عن نسخة نوهل. بيد أن الجمهور فضّل دائماً نسخة المكتشف على رغم كل الشكوك التي تحيط بها. وفي هذا السياق، سيكون من المفيد كذلك أن ننقل عن الباحث الإيطالي المتخصص بدوره في الدراسات البيتهوفنية لوقا كيانتوري قوله في كتاب حديث له، أن القطعة التي نسمعها ونحبها اليوم قد «لا تكون هي تلك التي وضعها بيتهوفن أصلاً». لكن السؤال المهم يبقى هنا: هل تهم كثيراً كل هذه المناقشات الأكاديمية في وقت يسمع فيه ملايين الناس «إلى إليز» يومياً ويحبونها ويحلمون ويحبون على إيقاعاتها؟

> إذا كان قد جرى دائماً التعارف على اعتبار «إلى إليز» عملاً ينتمي إلى نوع «الباغاتيل»، فإن عدداً من الخبراء يفضلون تصنيفها كـ «روندو»، أي كعمل ذي بعد دائري، فيما يُلحقها البعض الآخر بالسوناتات العديدة التي كتبها بيتهوفن خلال مراحل أساسية من حياته. ويعتبر هؤلاء وأولئك أن تصنيفها بوصفها «باغاتيل» إنما يعود إلى تأخر اكتشافها والحيرة أمام إيجاد تصنيف دقيق لها «غير أن الزمن وتقديمها تباعاً منذ اكتشافها كان كفيلاً بأن يعطيها مشروعيتها كروندو بالنسبة إلى البعض وكسوناتا بالنسبة إلى البعض الآخر». ويبدو أن الغلبة في نهاية الأمر قد تكون لأصحاب نظرية الروندو نظراً إلى القطعة نفسها في توزيعها وتحولها بين المقامات وانطلاقها من مقام كبير ثم الابتعاد عنه للعودة إليه مراراً وتكراراً بعد ذلك، وصولاً إلى الختام، حيث تنتهي القطعة على المقام ذاته بعد أن كانت غاصت في العديد من المقامات الأخرى، لكن تبعاً لإيقاع أكثر سرعة. ومن الواضح أن كل هذا يجعلها أقرب إلى «الروندو» في حركتها الدائرية غير المتصاعدة، علماً أن هذا اللاتصاعد هو الذي يميّز «إلى إليز» عن العديد من السوناتات البيتهوفنية (سوناتا «كرويتزر» أو سوناتا «ضوء القمر»، على سبيل المثال). ففي «إلى إليز» يبدو تلحين بيتهوفن هادئاً ومحافظاً إلى أقصى الحدود الممكنة بالنسبة إليه. فليس هنا ثمة جمل مباغتة أو ما يمكن أن نسميه «خبطات مسرحية» من النوع الذي كان قد اعتاد اللجوء إليه، لا سيما في قطع قصيرة له قد تبدو وكأنها مسودّات لسيمفونيات كبيرة قيد الإنشاء.

> والحقيقة أن هذا «الهدوء» الذي يسم «إلى إليز»، يمكن احتسابه هو الآخر في سياق الألغاز التي أحاطت بحياة وعمل مبدع كان أهم ما يميزه ويميز حياته ذلك الصخب الانفعالي الذي إنما كان دائماً نوعاً من مرآة تعكس روحه الداخلية وصخب عواطفه. فهل يحق لنا أن نتساءل هنا عما إذا كانت اللحظة التي كتب فيها بيتهوفن «إلى إليز» لحظة استكانة في تلك العواطف، كما الحال بالنسبة إلى العديد من سوناتات أخرى كتبها وتنم بدورها عن استكانة ووداعة قد تتناقضان مع رومانسيته الصاخبة المعهودة؟

> حسناً، يمكننا هنا أن نواصل طرح مثل هذا السؤال إلى الأبد، وكذلك يمكننا التمعن في كل الفرضيات الممكنة وغير الممكنة التي يمكن طرحها من حول تلك المرأة المحظوظة التي كُتبت لها هذه القطعة. لكنّ المهمّ أن لودفيغ فون بيتهوفن (1770- 1827) يبقى -مع «إلى إليز» أو من دونها- واحداً من أعظم الموسيقيين في تاريخ البشرية والفنان الذي أوصل الموسيقى إلى أعلى درجات صخبها وتعبيرها في أعظم لحظات سيمفونياته التسع وكونشرتاته البديعة، كما إلى أجمل لحظات وداعتها وعاطفيتها في سوناتات و «باغاتيل» وسيرينادا ندر أن عرف تاريخ الموسيقى ما يشبهها.

* نقلا عن "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط