.
.
.
.

نساء الروضة!

سليمان جودة

نشر في: آخر تحديث:

سقط ثلاثة أرباع رجال قرية الروضة شهداءً فى مذبحة المسجد، وبقى الربع الأخير مع نساء القرية أسرى الحزن والألم والوجع، ثم الرغبة فى الحياة التى لا بد أن تستمر!.. لا بد!.

والأطفال الذين لم يصاحبوا آباءهم إلى صلاة الجمعة، صاروا يتامى، مثلما صارت النساء أرامل، ومثلما صار السواد شارة للقرية تدل عليها دون سائر القرى من بعيد!.

وفى عين كل امرأة فقدت زوجاً أو أخاً أو ابناً أو قريباً، لمحتُ نظرة من التحدى ممزوجة بكل ما هو مكتئب وغاضب وحزين!.

بدت كل سيدة منهن هى المنتصرة.. لا الذين قتلوا فى ساعة صلاة ودعاء، ثم فروا هاربين.. كل امرأة من نساء الروضة تجلت فى الصور المنشورة أقوى من الجبل، على عكس ما تخيل الذين نفذوا العملية، فى رجال وصغار آمنين داخل بيت من بيوت الله، ثم لاذوا بالفرار!.

بدت كل واحدة منهن أمامى وأنا أتأمل الصورة، وأحاول أن أتبين الملامح، وكأنها تماضر بنت عمرو، التى اشتهرت فى تاريخنا بـ«الخنساء»، والتى قدمت أربعة من أبنائها فى الحرب، وقدمت معهم أخاها صخراً، وجلست تقول فيهم واحداً.. واحداً:

فلا والله لا أنساك حتى ألقاك.. أو يُشق رمسى!.

أما رمسها الذى تقصده، فهو قبرها!.

أحسست وأنا أتنقل بعينى بين صور سيدات الروضة أن كل واحدة منهن كانت، رغم عمق المأساة، تريد أن تبعث برسالة صامتة، ليس إلى الذين نفذوا العملية.. فهؤلاء أدوات فى النهاية لآخرين من ورائهم أكبر.. وإنما إلى الذين وضعوا فى أياديهم السلاح.. كانت الرسالة أنكم إذا كنتم قد قتلتم غالبية رجال القرية فلن تستطيعوا قتل الحياة فيها، ولن تستطيعوا سلب الإرادة منها، ولا من المصريين جميعاً قبلها!.

لقد مرّ المسلحون على القرية، فحصدوا أرواح رجالها، إلا القليل منهم.. وحصدوا أرواح أطفالها، إلا الذين لم يلحقوا منهم بصلاة الجمعة.. ولكنهم فى الحالتين نسوا أن الحياة التى يقفون على عداء غير مفهوم معها أقوى من كل الذين يتصورون أنهم قادرون على منعها عن الناس!.

وكان الدليل أنهم غادروا المكان مُسرعين، بمجرد الفراغ من الجريمة، ولم يستطيعوا أن يأخذوا الحياة معهم، لأنها أرسخ، ولأن الذى يُنهيها على الأرض هو خالقها، لا الذين يُشوهونها باسم الدين!.

فرّ الذين قتلوا واختبأوا وتواروا عن الأنظار.. ولكن الروضة بقيت فى مكانها، لأن مصر باقية رغم كل المحن!.

* نقلا عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.