.
.
.
.

أسواق العبيد: مشهد سوريالي أم واقع؟

عمار عكاش

نشر في: آخر تحديث:

جاء التحقيق الذي نشرته محطة «سي إن إن» عن أسواق العبيد الليبيّة صادماً، فالفكرة تبدو فظيعة في عصرٍ يُفترض أنه ولّتْ فيه منظومات الاستعباد إلى غير رجعة، كما أن تفاصيل التقرير تحدّثتْ عن معاملةٍ قاسية يتعرض لها المهاجرون الأفارقة المستعبدون من تعذيب واغتصاب واحتجاز وبيع في أسواق المزاد العلني. وفي أعقاب صدور التقرير انتقد الكثير من المنظمات الحقوقية تعامل الاتحاد الأوروبي مع أزمة اللاجئين واعتبر الحادثة البشعة إحدى تداعياته. أما المراقب العربي الذي لم يستطع أن يبرر الموضوع بوجود أيديولوجية طوباوية ظلاميّة خارجة عن منظومات المجتمع، مثلما فعل مع داعش الذي فرز أسواق العبيد، فوجد نفسه مصدوماً حائراً عاجزاً عن مواجهة ذاته.

تضرب ظاهرة استعباد السود جذورها في التاريخ العربي إلى ما قبل الإسلام، واستمرّت معه، ويزخر اللاوعي الجمعي للشعوب العربية بنماذج وأفكار عن الإنسان الأسود البربري العبد، وتحفل اللغة المحكيّة برموز هذا الماضي من استعباد السود، بدءاً من تعبير عبد أي أسود اللون، وفي لهجة أهل حلب يقال عبدٌ أسود، بمعنى شديد السواد، وفي لهجة أهل الشام ولبنان نجد تسمياتٍ مثل فستق العبيد: الفول السوادني ورأس العبد وهي تسمية لنوع من الحلوى الكروية السوداء، وفي دول المغرب لا تزال تعابير تحقيرية مثل «حرطاني» و «عزي» و «كحلوش» مستخدمةً. ويمكن أن نتابع تسجيل تعابير مشابهة من جميع الدولة العربية وهي تدلّنا على فداحة مخزونات هذا اللاوعي الجمعي.

لا يقتصر الأمر فقط على مخزونات لاشعوريّة وتمثيلاتٍ لغويّة موروثة، فغالباً ما نظر الكثيرون من العرب إلى أبناء أوطانهم من السود نظرةً فوقيّة، بحيث كان هؤلاء يرفضون زواج أبنائهم وبناتهم من السود. ومثل كل أزماتنا كالطائفيّة وسواها من موروثات العصور الوسطى لا يتم الإقرار بالمشكلة ومواجهتها. فقد سُجِّلت في دولة كتونس، تُعتبر حركة الحقوق المدنية فيها متطورة أكثر من سواها من الدول العربية، حوادث اعتداء جسدية على الطلبة السود الأفارقة، وأشار معظمهم إلى تعرضهم لمعاملة عنصريّة وتمييزيّة حتى في دوائر القضاء والشرطة، كما أن المواطنين التوانسة السود يعانون من صعوبة الوصول إلى مناصب حكوميّة ذات شأن. أما ليبيا، البلد موضوع التقرير الصادم، فكانت تاريخياً ممراً مهماً لتجارة العبيد ليتم بيعهم في أسواق القاهرة واسطنبول، أو الأسواق الداخليّة الليبيّة، وامتهن بعضٌ من أبناء قبائل الطوارق هذه التجارة، ولم يزل بعضٌ منهم يفخر بماضيه الاسترقاقي.

حين انفتح العقيد الراحل معمر القذافي على الدول الأفريقيّة، وسمح بقدوم العمالة الوافدة منها لتوطيد علاقاته معها، غالباً ما تعرض هؤلاء لسوء المعاملة والاستغلال من أرباب العمل، وتلقوا معاملةً عنصريّة. ولدى سقوط العقيد، وتحديداً في مدينة الزاوية، قتل الآلاف من السود حرقاً وذبحاً انتقاماً لوجود بعض المرتزقة السود المقاتلين إلى جانبه، إلى جانب جنسيات أخرى، لكن الانتقام انصبّ على السود وفي شكل خاص العمال الأبرياء.

إذا أخذنا بعين الاعتبار هذه الخلفية التاريخية والثقافية ستخف سورياليّة هذا المشهد الذي نرى فيه بشراً يباعون في مزاد علني لاختلافهم عنا بلون البشرة فقط.

ربما كان صحيحاً أن هذا المشهد لم يكن ليظهر لولا سقوط منظومة الدولة في إحدى دول الربيع العربي، لكنه يحيل إلى بنى ثقافية واجتماعيّة عربيّة غلّفتها قشور حداثيّة جاءت مع الاستعمار الغربي، وورثتْ هذه البنى النخب العسكرية والبيروقراطية التي حكمتْ البلاد، وتبنّت قوانين حداثية من دون وجود حاضنة اجتماعية حقيقيّة لهذه القوانين، فضلاً عن أن هذه النخب الحاكمة ذاتها لم تكن صادقة في مشاريعها التحديثية، وغالباً ما كانت القوانين والتصديق على المعاهدات الحقوقية ديكوراً تزيينياً.

أدى تخلل بنى المجتمعات في بلدان الربيع العربي التي سقطت فيها منظومة الدولة وعمّت فيها سيطرة الميليشيات، إلى انفجارات اجتماعيّة وولادة ظواهر أتاحتها حالة الانفلات الأمني في دول كان القمع سلاحها الأمضى في فرض القانون أكثر مما كان الوعي والانضباط الذاتي وسلطة المؤسسات. ففي مثل هذه الحالات قد تتيح بعض العادات والتقاليد السائدة، والبنى التقليدية من الأسرة والعشيرة والحيّ، شيئاً من الحماية من الانفلات الأمني، لكن ماذا عن الفئات المهمّشة التي كانت تتعرض للتمييز والعنصريّة حتى في ظل وجود الدولة؟ ستكون هذه الفئات من دون شك الأكثر عرضةً للاستغلال والقهر. فكيف أمكن فتح هذه الأسواق وإيجاد مشترين بهذه السهولة، لولا وجود جوّ اجتماعي يهيء أضعف الإيمان للاستعلاء على السود؟

إنّ طريقة تعامل الإنسان العربي مع الآخر هي انعكاس للتراتبيّة العالمية للعلاقات الدولية، وللهرمية الموجودة في مجتمعه والتي يتربّى عليها، فنجده يتعامل مع الغربي بنوع من العنصريّة المعكوسة حين يتعاطى معه بدونيّة، ولكن حين يعتبر شعباً ما أدنى منه لا يتحرج من إظهار كل صنوف العنصرية، ولطالما كانت معاملة العمالة الآسيوية في لبنان ودول الخليج العربي مسباراً كاشفاً لكمّ الاستعلاء والعنصرية في مجتمعاتنا التي فشلت في دخول العصر. وعلينا أن نقرّ بأن ثمة آخر مختلفاً لا نريد قبوله كمساوٍ لنا في إنسانيتنا، فإما أن نكون أعلى منه في سلم الإنسانية، وإما أن نكون أدنى. ثمة آخر نكرهه، لأننا لا نمتلك فكرة البشر المتساوين أصلاً في مجتمعاتنا، من التمييز بين الكبير والصغير، والمرأة والرجل، إلى نكران حقوق الأقليات الدينية والقومية.

حين تسقط قيمة الإنسان طيلة عقود، نصل إلى هذا المشهد السينمائي: بشر يباعون في أسواق عبيد، في بلدٍ يفترض أن الربيع العربي وصل إليه!

نقلا عن "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.