«مقطوعة بادن بادن التعليمية» لبريخت: مسرح لفضح تهافت البطل

ابراهيم العريس
ابراهيم العريس
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
8 دقائق للقراءة

لا تتمتع تلك المسرحية «التجريبية والتعليمية» التي كتبها برتولت بريخت بين عامي 1928 - 1929 تحت عنوان «مقطوعة بادن بادن التعليمية»، لا بشهرة الأعمال الكبرى التي كتبها هذا المسرحي الكبير خلال تلك الفترة الغنية من حياته، ولا بقوتها، غير أنها تعتبر عملاً تأسيسياً مهّد للكثير من أعماله التالية وكاد يكون في الوقت نفسه خلاصة لأعماله السابقة. ومع هذا من الصعب اعتبارها مسرحية بالمعنى المتكامل للكلمة، بل هي أقرب الى أن تكون «أوراتوريو» أي حكاية لا تمثّل على الخشبة بقدر ما تُروى عليها من كورس كما الحال في العديد من الأعمال «التمثيلية» الدينية. ولئن كان الشكل بالغ الأهمية هنا بالنظر الى أن بريخت سعى فيه الى أن يكون تجريبياً خالصاً، فإن الأهم هو الموضوع الذي تطرق إليه وكان في حينه موضوع الساعة على الصعيد العالمي.

> فالعمل يدور أساس من حول الطيار الأميركي تشارلز ليندبرغ الذي جعلته جرأته ووسائل الإعلام وافتقار الناس الى الأبطال الحقيقيين في ذلك الحين - وعلى صعيد الساحة العالمية كلها - أيقونة مجيدة ما جعل كثراً من الناس يغضون الطرف عن اختياراته السياسية الفاشية، بل يتبعونه فيها. ومن المؤكد أن هذا الجانب من شخصية بطل الطيران الذي كان أول من طاروا بين القارتين الأميركية والأوروبية، هو ما استفز بريخت فأراد أن يفضح الأسطورة مظهراً التناقضات الضارة في داخلها. ومن هنا نراه، في عمل سوف يعتبره هو نفسه «تعليمياً»، يفترض أن «نجم الطيران الأميركي» قد سقطت به الطائرة مع ثلاثة من رفاقه وجُرح، وها هو يطلب العون، ولكن ممّن؟ من الكورس الواقف يحكي لنا تلك الحكاية على وقع موسيقى حديثة كتبها الملحن هندميث. بيد أن الكورس يقول لنا، وللطيار الجريح بالتالي، أنه لن يقدم له أية مساعدة. بل على العكس من ذلك سوف يشرع في محاكمته لفضحه على مواقفه كما على استغلاله الإنجاز التقني للوقوف ضد نفس أولئك الذي كانت أدوات ذلك الإنجاز من عملهم. صحيح أن الكورس سيقول للطيار إنه عاجز عن تقديم أي عون له، لكنه سوف يقول له أيضاً أنه حتى لو أراد ذلك فإنه غير قادر عليه. أما المحاكمة نفسها فسوف تتواصل حتى صدور الحكم السلبي النهائي على الطيار. غير أن مجرى المقطوعة لن يكون خطيّاً كما حال الأوراتوريو المعتاد، بل ستقطعه فصول وصور ومشاهد متقاطعة متلاحقة من اسكتشات وأخبار ومجموعة من الأفكار التي سيكون همها إثراء النقاش حول البطولة والسياسة والتكنولوجيا والعلم وما إلى ذلك. والحقيقة أن في وسع المرء في نهاية الأمر أن يقول إن معظم السمات التي سوف تطبع فكرانية مسرح بريخت، ولا سيما التعليمي منه، خلال السنوات اللاحقة، يمكن العثور عليها داخل هذه المسرحية القصيرة. ومن هنا تبدو وكأنها تجميع لملفات قضائية وفنية حقيقية موضوعة في تصرف من يريد أن يخوض، مسرحياً أو في شكل مسرحيّ، نقاشاً حقيقياً حول أحداث أو شخصيات معينة. وهو أمر سوف يعود اليه بريخت في العديد من المقطوعات «التعليمية» التالية، وصولاً الى دمجه أحياناً باستعارات من مسرح «النو» الياباني، ما أثرى نتاج بريخت بل حتى مسار حياته الشخصية.

> مهما يكن من أمر، إذا كانت هناك حياة وعمل يصعب اختصارهما في سطور قليلة مثل هذه السطور، فإنهما حياة برتولت بريخت وعمله الكتابي الذي كان استثنائياً في قوته التعبيرية ومكانته وجماله الشكلي، والدور الذي لعبه في تاريخ المسرح العالمي في القرن العشرين. وليس ثمة بالطبع أية مبالغة في القول إن بريخت يمثل ثالث نقطة انعطافية في تاريخ المسرح، مقابل اسخيلوس الذي يمثل النقطة الأولى، وشكسبير الذي يمثل النقطة الثانية.

> من الممكن أن تكون السنوات الماضية قد حاولت أن ترمي بريخت وفنه في مهب النسيان، غير أن عودة مسرحه الى الحياة في زمننا هذا، والعودة الى اكتشاف ما كان مخبوءاً في ثنايا مسرحياته، أمران يقولان لنا إن مكانة بريخت لا يمكن أن تنضب، وأن المسرح العالمي سوف يظل يعيش في ظل مسرحه، تماماً كما عاش - ولا يزال - في ظل مسرح شكسبير. ومع هذا، حين مات بريخت عن ثمانية وخمسين عاماً، عام 1956، لم تكن له تلك الأهمية التي أسبغت على اسمه وعمله بعد ذلك بسنوات، وربما عاد السبب الى كونه ارتبط، فكرياً وسياسياً، بصورة جعلته يبدو ستالينياً، في زمن كان فيه بعض شعوب أوروبا الشرقية قد بدأ ينتفض ضد الستالينية، بيد أن تلك الصورة كانت مخطئة. وخطأها لن يظهر من خلال تحري مواقف بريخت السياسية أو علاقته بالأحزاب الشيوعية، أو من خلال رد فعل منظّري تلك الأحزاب على عمله، بل من خلال قراءة متأنية وواعية لمسرحيات بريخت نفسها.

> فهل سيكون من قبيل المغامرة أن نقول إن ثمة دائماً ما يكفي من الوقت للنظر الى مسرح بريخت على أنه يقف موقفاً مناقضاً تماماً، في جوهره كما في بنيته، من كل ما تمثله الستالينية من فكر وممارسة؟ إنه أمر يقترحه علينا الكثيرون من الذين بحثوا في تراث بريخت وقرأوه في ضوء الظروف التي كتب فيها، ومنهم، بالطبع، فردريك أوين، الذي قدم لنا ما يمكن اعتباره أفضل دخول الى عالم بريخت في كتاب شهير له، نقل الى العربية قبل سنوات.

> في كتابه ذاك يروي أوين حياة بريخت، فيقول لنا - ما يعرفه الكثيرون على أي حال - أن بريخت ولد في العام 1898 في اوغسبورغ، على رغم أن أصوله العائلية تعود الى منطقة الغابة السوداء، وأنه اكتشف الشيوعية عام 1926 حيث وجدها تتلاءم مع همه في تثوير المسرح. وخلال تلك الآونة كتب بريخت العديد من مسرحياته الكبرى، مثل «أوبرا القروش الثلاثة» و «طبول في الليل» و «رجل برجل» وغيرها، وكتب الكثير من الشعر ووضع العديد من النظريات المسرحية، وابتكر ما أطلق عليه اسم المسرح الملحمي، وحاول أن يخلّص المسرح من تقاليده الأرسطية.

> غير أن بدايات بريخت الحقيقية والأكثر أهمية تعود الى تصادمه مع النازية ومع الفكر الشمولي إثر حريق الرايخشتاغ، حيث نراه يختار درب المنفى، ويكرس معظم مسرحياته لمقارعة الديكتاتورية. وهو لئن أبدى الكثير من الشكوك حول الستالينية (ولا سيما لمناسبة إعدام ستالين للكاتب ترتياكوف عند نهاية سنوات الثلاثين) فإنه رأى أن الوقت يضطره لأن يلتفت أكثر لمقارعة النازية وصعود هتلر، فكتب في ذلك الاتجاه، أكثر مسرحياته قوة ووضوحاً. ولكنه في الوقت نفسه ضمّن معظم مسرحياته تلك الأسئلة القلقة والحائرة التي تقف موقف الضد من يقينية الستالينية المريحة. والحال أن قراءة متأنية لمسرحية «غاليليو» أو «دائرة الطباشير القوقازية» أو، بخاصة، «الأم كوراج» و «رؤى سيمون ماشار» تضعنا مباشرة أمام كاتب يشك في كل ما كان قد آمن به من قبل. مهما يكن فإن برتولت بريخت (1898 - 1956)، الذي يظل يبدو لنا شديد المعاصرة، وتظل أعماله تبدو لنا حافلة بالأسئلة والشكوك المدهشة، لم يكتف بأن يجعل من مسرحه مسرحاً أيديولوجياً سياسياً بل كان يرى أن المتعة يجب أن تشكل جزءاً أساسياً من اللعبة المسرحية، وهو لئن كان أصر دائماً على أن يورّط جمهوره في أفكاره المسرحية، فإنه حرص على أن يكون التوريط من طريق إعمال العقل، لا من طريق العاطفة. وبهذا المعنى، كان بريخت سقراطياً حقيقياً يعمل على انتزاع الأجوبة والمواقف المطلوبة، من جمهوره انتزاعاً، لا على فرضها عليه.

> رحل بريخت منذ أكثر من ستة عقود إذاً ، لكن حضوره ظل - ولا يزال - قوياً، من خلال أعماله التي تقدم في مئات العروض سنوياً، ومن خلال السمعة الجيدة التي تمتعت بها فرقته «برلينر انسامبل» التي أسسها في ألمانيا الشرقية التي عاد اليها بعد منفاه الأميركي الطويل، ولكن بخاصة من خلال التأثير الذي مارسه في كبار كتاب المسرح في العالم من ماكس فريش الى ثورنتون وايلدر ومن دورنمات الى تنيسي ويليامز وجون اوزبورن وستيفن سبندر وآرثر آداموف وبيتر فايس، وصولاً الى كاتبينا العربيين ألفريد فرج وسعدالله ونوس، ولكن بخاصة من خلال وضوح «مقطوعاته التعليمية» التي تعتبر «مقطوعة بادن بادن» خير نموذج لها، حتى وإن لم تكن أكثرها شهرة بالنسبة الى جمهور المسرح.

* نقلا عن "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط