محاولة توفيق بائسة

علي العميم
علي العميم
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
7 دقائق للقراءة

أستاذة دلال البزري...

الفقرة التي تحدثت فيها في صدر مقالك عن سيد قطب وكتابه «معالم في الطريق» وعبد الناصر، كانت مستلة من بحث قديم لك اسمه «الإخوان المسلمون والوحدة: من حسن البنا إلى سيد قطب: هل تيسّر أمر الوحدة أم أعيق؟». وقد رأيت أن هذا البحث يهيمن على عدد من أبحاثك عن الإسلاميين، وأنك تنطلقين فيها من مصادراته، رغم وجود عدد من الأخطاء المعلوماتية فيه، وانطوائه – وهذا هو الأفدح – على عطب منهجي جسيم.

وفي الجزء الأخير الذي تحدثت فيه عن علاقة الإخوان المسلمين بالسعودية، كان ما جاء فيه مستلاً من بعض أبحاثك حول الإسلاميين، وهذا الجزء لا يفهم على نحو واضح إلا بالرجوع إلى ما قلتِه عن هذه العلاقة في تلك الأبحاث.

والغرض من إبداء هذه الملحوظات، الإشارة إلى أن مقالك لم يكن مجرد مقال عابر كتبتِه عفو اللحظة، وإنما كان إعادة بعض خلاصات موجودة في بعض أبحاثك حول الإسلاميين.

يقوم بحثك القديم على أن القومية العربية تحتل الموقع الثاني في نظرية حسن البنا السياسية.

وتأتي قبلها في الترتيب «القطرية، أي المصرية» وتأتي بعدهما – على التوالي – «العقيدية، أي الإسلامية» ثم «الإنسانية، أي العالمية».

ونظرية الحلقات هذه - كما قلتِ - «ليست بدعة خاصة بالبنا ولا توقفت عنده: فابن باديس، المصلح الديني الجزائري، كان أحد منظريها الأوائل، ولو بشيء من العمومية، وعبد الناصر كان من كبار الدعاة إليها ولو بالكثير من التعديل...».

وقلت عن القطرية المصرية «مصر عند البنا هي بمثابة مفهوم القاعدة – الإقليم (!) التي اعتبرها منظرو الوحدة العربية وسياسيوها، من نديم البيطار إلى عبد الناصر، أهم القوانين الوحدوية السياسية العربية وأفعلها في تكوين الهوية العربية، ويولي البنا كما عبد الناصر، القيادة لهذه القاعدة، فمصر هي زعيمة دول الإسلام وأممه، إلا أن الهوية العليا التي يتوق إليها القوميون، ليست عند البنا سوى مرحلة تليها الإسلامية».

هذا هو الركن الأول في البحث. أما الركن الثاني في ذلك البحث، فهو أنك تعزين إلى سيد قطب كسر الحلقة الأولى (الوطنية المصرية) والحلقة الثانية (القومية العربية) ونسفهما في خطاب الإخوان المسلمين، كما هو عند مؤسس الجماعة، حسن البنا. وترجعين اتجاهه إلى كسر هاتين الحلقتين ونقضهما إلى أمرين، هما: «أنه اختبر بالعنف السلطة القومية بصفته أخاً مسلماً. ثم كان قارئاً شغوفاً لفكر الداعية الباكستاني أبي الأعلى المودودي».

المشكلة كما حدّدتها في أول بحثك القديم أن فكر سيد قطب كان هو المهيمن على التيار الإسلامي، لا فكر حسن البنا. فسيد قطب اعتبرته المسؤول الوحيد عن ذلك الخيار الحدّي عند الإسلاميين: إما العروبة وإما الإسلام! وهذا ادعاء غير صحيح.

لأطلعك على العطب المنهجي الجسيم الذي يعتور بحثك – القائد والموجه لبقية أبحاثك حول الإخوان المسلمين وحول الإسلاميين عموماً.

لا تبيّن رسائل البنا أن صاحبها على دراية كافية ما تعنيه الوطنية والقومية والقومية المصرية والقومية العربية. فهو رجل عمل وليس برجل فكر. وعلى مستوى الفكر والثقافة والمعرفة، هو خطيب دعوي. وعلى مستوى التنظير هو واعظ ومبسط ديني كبير.

إنْ لا يعرف البنا ما تعنيه الوطنية والقومية، فذلك لأن هذا الأمر يتطلب معرفة معنييهما في مرجعهما الثقافي الأوروبي.

وإنْ لا يعرف ما تعنيه القومية المصرية مع حضورها الطاغي في عصره، فذلك لأنها لم تفرد لها كتب ولم تبسط في منشورات، فهي مطروحة – بدرجة أساسية – في ثنايا الدراسات الأدبية والنقدية، وفي علم الآثار وفي مقالات سياسية تدعو إليها ضمن شعار الواقعية السياسية.

وإنْ لا يعرف ما تعنيه القومية العربية، فذلك لأن هذه الفكرة كانت مطروحة عند عرب آسيا، في بلدان كسوريا ولبنان وفلسطين والعراق. وكان تيارها في مصر متأخراً وضعيفاً جداً، فالذين كانوا يتبنونها البعض من الشوام المتمصرين وقلة قليلة من المصريين، والأدباء منهم في معاركهم التي خاضوها مع أغلبية من الأدباء منضوية تحت جناح القومية المصرية، كانوا ينافحون عن عروبة ثقافية لا عروبة سياسية.

قد لا تعلمين أن مترجم المودودي القديم إلى العربية، مسعود الندوي أومأ إلى ما قلته لكِ بصراحة فاقعة. فلقد سجل في يومياته في أثناء زيارته للعراق، بعد اغتيال حسن البنا بما يقرب من نصف عام، وبمناسبة فراغه من قراءة سيرته التي كتبها بقلمه، ملحوظة مفادها الاستعجاب والاستغراب من تمكنه من تأسيس جماعة الإخوان المسلمين مع أنه «لم يكن عالماً كبيراً كما لم يكن أديباً ولا مفكراً».

وبإمكانك أن تحذفي كلمة «كبيراً» مما قاله، لأنه قالها من باب التأدب والكياسة مع رفيق له في الإسلام الحركي.

وإن كنت أؤمن بصحة تقويمه للبنا مع حذف كلمة «كبيراً» إلا أنني أخالفه في عجبه واستغرابه، فتأسيس الجماعات والأحزاب لا يقتضي أن يكون مؤسسوها ذوي علم وأدب وفكر. فالشرط الأساسي أن يكونوا رجال عمل. والبنا كان رجل عمل من الطراز الأول.

سيد قطب يختلف عن البنا بأنه أديب وناقد ذو اطلاع جيد على الثقافة الحديثة، وأنه كان على معرفة بالقومية المصرية الفرعونية، وفي مرحلته الأدبية مال إليها بعض الشيء حيناً من الزمن. ومعرفته بالماركسية أوضح من معرفته بالقومية في إطارهما الغربي، ربما لأن عنايته بمعرفة الأخيرة لم تكن بقدر شغفه بمعرفة الأولى.

وليس ثمة صلة واتصال بين ما سميته نظرية الحلقات الأربع عند البنا، وبين دوائر عبد الناصر الثلاث: الدائرة العربية والدائرة الأفريقية والدائرة الإسلامية، التي قال في كتابه «فلسفة الثورة» إنها تحكم حركة مصر الخارجية.

كذلك لا شأن لقانون الإقليم – القاعدة الذي قلبت اسمه إلى القاعدة – الإقليم! أقول لا شأن له بمركزية مصر في حلقات البنا الأربع، التي عددتها كما أن هذا القانون الذي هو أحد قوانين ثلاثة أساسية للعمل الوحدوي، كما نظّر لها المفكر القومي الوحدوي نديم البيطار مختلفة تماماً عن دوائر عبد الناصر الثلاث. ولا نعرف لعبد الناصر قولاً أو إسهاماً في نظرية البيطار الوحدوية الشهيرة. فصلة عبد الناصر بهذه النظرية أن البيطار بلورها في عهده، فرأى في مصر، الإقليم – القاعدة لدولة الوحدة العربية أو روسيا العرب، ورأى أن القانون الثاني: السلطة المشخصة، كما نظّر له ينطبق على عبد الناصر الذي عدّه بسمارك العرب.

إن من لديه اطلاع على فكر البيطار سيحكم على ما فعلته من إقامة صلة وصل بين تنظيرات هذا الرجل الشديدة في علمانيتها، والصارمة في تاريخيتها وزمنيتها وبين أنظومة حسن البنا الدينية البسيطة والتبسيطية، أنها محاولة بائسة في التوفيق ما بين متناقضات عميقة وحادة يستحيل عقلاً ومنطقاً إقامة جسر يصل ما بينها.

ببساطة، مركزية مصر في دولة ما يسمى «الخلافة الإسلامية» التي كان يطمح البنا إليها في حلقته الرابعة الأخيرة هي فكرة نشأت في بعض الصحافة المصرية قبل إنشائه لجماعة الإخوان المسلمين بسنوات قليلة. وهذه الفكرة نشأت إثر إلغاء كمال أتاتورك للخلافة الإسلامية وكان لها مؤيدون ولها معارضون. وأسباب نشأتها لا يمكن النظر إليها بمعزل عن آثار القومية المصرية وتداعياتها في وعي المصريين، رغم تضادها مع مبادئ تلك القومية ونواتها الداخلية التي تدعو إلى العزلة والانعزال عن المحيط العربي والمحيط الإسلامي.

على عكس حسن البنا، كان المودودي يعرف ما تعنيه القومية بمعناها العلماني، وعبره اطلع الإسلاميون العرب منذ زمن بعيد على مطارحات مع الفكرة القومية، ومن مطارحاته استلهموا سجالاتهم الدينية في عقود متتالية ضد القومية العربية. وتأثير المودودي وتأثير تلميذه أبي الحسن الندوي ليس مقتصراً على سيد قطب، بل يشمل الإخوان المسلمين في مصر وفي غيرها من البلدان العربية، ويشمل الإسلاميين العرب وغير العرب.

* نقلا عن "الشرق الأوسط"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط