«مصير إنسان» لميخائيل شولوخوف: دليل اتهام ضد كاتب كبير
من المؤكد أن ليس في إمكان أحد أن يماري في أن رواية ميخائيل شولوخوف «مصير إنسان» رواية كبيرة وجميلة وذات موضوع إنساني بالغ التأثير. وهذه الرواية تحظى باهتمام عالمي كبير، لا سيما منذ حولها السينمائي الروسي سيرغاي بندارتشوك إلى ذلك الفيلم الذي أثار موجة من الإعجاب أواخر خمسينات القرن العشرين وكرّس له مكانة كبرى في العالم السينمائي، معيداً شولوخوف ورواياته «المظلومة» إلى الواجهة. ونقول «المظلومة» بالنظر إلى أن روايتين للكاتب نفسه هما «الدون الهادئ» و «الأرض حرثناها» كانتا ومنذ زمن طويل قد غطيتا على كل أعماله السابقة واللاحقة بقوتهما الملحمية وروعة الأجواء التي وصفتها كل منهما وصدقية الشخصيات والعلاقات فيهما، بل يمكن القول هنا إن هذا ينطبق بخاصة على «الدون الهادئ» التي، وكما سوف نرى بعد قليل، ستثار أسئلة وشكوك بصددها. والحقيقة أن بقية أعمال شولوخوف، ومن بينها تحديداً «مصير إنسان» التي نحن في صددها هنا، استخدمت كدليل «اتهام» ضد «الدون الهادئ» يوم قيل إن شولوخوف لا يمكن أن يكون هو مؤلف ذلك العمل الملحمي الكبير بالمقارنة مع القوة المحدودة والبساطة اللتين تسمان بقية الأعمال «المنسوبة» إليه. ففي نهاية الأمر تبدو رواية «مصير إنسان» على رغم جمالها وكثافتها، عملاً يمكن كاتباً فوق المستوى الوسط أن يكتبها، فيما لا يكتب عملاً مثل «الدون الهادئ» سوى عبقري يمكن مقارنته بتولستوي، على سبيل المثال.
> حتى وإن كانت «مصير إنسان» تمتد في أحداثها على مدى سنوات عدة هي تلك الفاصلة بين الحرب الأهلية الروسية عند بدايات سنوات العشرين، و «الحرب الوطنية الكبرى»- أي العالمية الثانية-، فإن شخصياتها قليلة وصفحاتها محدودة ولها حدث مركزي يمتد طوال تلك السنوات: حدث يتمركز من حول فكرة الأبوة. فبطل الرواية المدعو أندريه سوكولوف يعود من الحرب الأهلية ليتخذ لنفسه بيتاً ومزرعة ويكوّن عائلة بعدما يتزوج فتاة يغرم بها. وهو يمضي أيامه في العمل والكدّ راعياً عائلته الصغيرة سعيداً حتى تندلع الحرب الثانية ليخوضها ثم يعود منها ليكتشف أن عائلته قد أُبيدت. وهنا تضع الأقدار في مواجهته طفلاً من الواضح أنه يتيم فقد أهله، فيتبناه أندريه من دون أن يخبره أنه ليس في الحقيقة أباه الحقيقي، ليكوّن معه عائلة صغيرة بديلة يتحدى بها مصيره المفجع ويواصل حياته. ذلكم هو الموضوع المركزي في «مصير إنسان». بيد الأهم هو أن هذا الموضوع يُروى لنا بصورة متلاحقة بأسلوب متقطع وبأصوات متعددة وكذلك بنوع من التراجع الزمني الذي يعطي الرواية سمات حداثة تضعها في تناقض، ولو محدود، مع الأسلوب الملحمي الذي يطبع «الدون الهادئ» وحتى «...والأرض حرثناها» ومن هنا ثارت تلك التساؤلات حول الفروقات الأسلوبية الصارخة بين عملين لشولوخوف كتبا قبل عقود، وعمل كتب لينشر في صحيفة «البرافدا» عند مفتتح عام 1957 ليشكل نوعاً من تراجع ملحوظ لدى الكاتب ويدفع إلى تلك الأسئلة الحادة والبالغة الجدية التي راحت تُطرح من حول أدبه. ولقد تبدت تلك الأسئلة منطقية حتى وإن كان هناك نقاد انطلقوا يدافعون عن شولوخوف وأدبه بقوة يبدو أن فوز الكاتب بجائزة نوبل (1965) قد عزز منها، فيما نعرف أنه هو نفسه ظلّ دائم الترفع عن خوض أي نقاش في ذلك الشأن. وربما يعود ذلك إلى أن شولوخوف كان حين ساد النقاش حول الأمر ليصل إلى ذروته في عام 1974، كان يدنو من السبعين وبلغ من المكانة في الساحة الأدبية العالمية ما جعله يرى أن من الأفضل له أن يعلو على مثل تلك «الصغائر».
> كل هذا يبدو هنا منطقياً، ولكن ما يبعد من المنطق بعض الشيء في هذا السياق هو أن قلة فقط من الباحثين والمؤرخين قد اهتمت حقاً بعد ذلك بالعودة الجدية إلى ذلك الملف. بل قد نقول إنه سيبدو لنا غريباً إلى حد كبير أن أحداً لم يفتح حقاً، وعلى حد علمنا، ملف ميخائيل شولوخوف، هذا، على رغم أن كل الملفات راحت تفتح منذ انهار الاتحاد السوفياتي، وراحت تمطرنا بالمفاجآت، لا سيما في المجالات المتعلقة بالآداب والفنون. ومع هذا نعرف إلى أنه حتى سنوات عدة من انهيار «الاتحاد» كانت الأسئلة العديدة قد بدأت تنطرح من حول ذاك الذي كان يعتبر «أكبر كاتب حيّ» في الاتحاد السوفياتي على حد تعبير نقاد وصحافة ذلك الزمان.
> وكما أشرنا تركزت الأسئلة، في شكل خاص، من حول روايته الكبرى «الدون الهادئ» التي لا تزال تطبع وتترجم على نطاق واسع حتى اليوم، كما لا تزال تعتبر واحدة من أكبر الأعمال الأدبية التي انتجت في بلاد السوفيات في القرن العشرين، العمل الذي جعل من المنطقي مقارنة شولوخوف بتولستوي. والمهم في هذا الأمر برمته هو أن السؤال الأساسي الذي راح يدور من حول شولوخوف يتعلق، تحديداً، بما إذا كان هو حقاً صاحب تلك الرواية الضخمة. وفي هذا الإطار هناك روايات وفرضيات عدة، يرى بعضها بأن شولوخوف إنما سطا، في الحقيقة، على عمل كتبه غيره ونسبه إلى نفسه وسط تواطؤ السلطات الراغبة في أن يكون لديها أديب رسمي كبير. هذه النظرية يدافع عنها في شكل أساسي افيم اتكند، الذي كان كاتباً منشقاً في ذلك الحين، والذي يقدم عادة بصفة الخبير المطلع أكثر من غيره على أحوال الأدب السوفياتي وتواريخه وألغازه. صحيح أن اتكند لم يتمكن من إقناع الكثيرين بنظريته، وعلى الأقل، حتى اللحظة التي مات فيها شولوخوف في عام 1984، حيث كان الاتحاد لا يزال اتحاداً، والمجد الأدبي لا يزال مجداً أدبياً.
> ولكن هذا لم يمنع الكثيرين من الاهتمام الجدي بالنظرية، خصوصاً أن باحثين كثراً أخذوا يقارنون بين رواية «الدون الهادئ» وأعمال شولوخوف الأخرى ليعثروا على فوارق في المستوى كثيرة. بل إن البعض تابع نظرية اتكند حتى نهايتها وراح يقارن بين فصول وأجزاء «الدون الهادئ» المختلفة ليجد أن الأمر يبدو حقاً وكأن ثمة مستويي كتابة أو أكثر. مهما يكن، من المؤكد أن أي عمل آخر لميخائيل شولوخوف لم يتمكن أبداً من تعزيز المكانة التي حازها هذا في تاريخ الأدب في القرن العشرين، المكانة التي جعلته يفوز بجائزة نوبل في عام 1965، فتسمح له سلطات بلاده بالذهاب إلى استوكهولم لتلقي الجائزة، على عكس ما حدث لكاتبين سوفياتيين آخرين فازا بالجائزة نفسها ومنعتهما السلطات من السفر لتسلمها: باسترناك وسولجنتسين.
> ولد شولوخوف في عام 1905 في كروجدلين ببلاد القوزاق لعائلة من المزارعين، وكان في السابعة عشرة حين وصل إلى موسكو، من دون أن يكون قد تلقى دراسة كافية، فعمل كعامل، ثم فجأة بدأ ينشر قصصاً ومقالات في الصحافة الموسكوفية، أثارت الإعجاب بسبب قدرتها على وصف الحياة اليومية في السهوب ومناطق القوزاق. ثم في عام 1928 نشر الجزء الأول من «الدون الهادئ» تلك الرواية التي واصل كتابتها ونشرها حتى عام 1940 وحققت له منذ الجزء الأول شهرة قومية وعالمية، بل وأجمع على الإعجاب بها القراء الرسميون في الداخل والمهاجرون الروس في الخارج.
> ولكن بعد ذلك بكثير بدأت الأسئلة تنطرح مندهشة من حول شاب في الثالثة والعشرين يكتب رواية حافلة بكل تلك الأبعاد الرؤيوية والفلسفية والسيكولوجية والإبداعية. وجاء الجواب خجولاً أول الأمر، ثم ملحّاً بعد ذلك: أن الكاتب الحقيقي لـ «الدون الهادئ» في صيغتها الأولى هو القوزاقي الأبيض فيودور كريوكوف، الذي كان قد حارب الحمر طويلاً، ما منعه من إعلان أبوته للرواية التي حصل شولوخوف على نصها فأجرى فيها بعض التعديلات ونشرها باسمه.
> هذه النظرية ظهرت للمرة الأولى، على أي حال، في عام 1974 في شكلها المتكامل. غير أن التأكيد عليها لم يقلل من مجد شولوخوف وأهميته، حيث واصل نشر رواياته، التي لم يصل أي منها، إلى جودة «الدون الهادئ» ومنها بخاصة «مصير إنسان» وبعد ذلك أعمال مثل «حاربوا من أجل الوطن»، وغيرها من روايات ترجمت ونشرت على نطاق واسع، كما حولت إلى أفلام سينمائية كانت، على الدوام، تعكس وجهة نظر السلطات في الإبداع الأدبي، ما جعل لشولوخوف مكانة كبيرة دائمة مكنته من أن يصبح ذا سلطة قامعة لغيره من الكتاب، ظل يمارسها ويطاول بها المنشقين حتى وفاته حيث أجريت له جنازة بصفته بطلاً قومياً.
* نقلا عن "الحياة"