ماذا تعرف عن القدس والمقدسيين لبنان نموذجاً

سوسن مهنا
سوسن مهنا
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
6 دقائق للقراءة

كم من عواصم عربية أخرى تهاوت في يد محتل وطامع في المنطقة العربية، بدءاً بالعاصمة العراقية بغداد وليس انتهاءً بالعاصمة اللبنانية بيروت، حيث يزحف المد الإيراني ليبشرنا بأنه لن يكتفي بأن يكون هلالاً بل سيكمل استدارته. قد يتسأل مراقب هل القدس فقط هي التي سقطت منذ 100 عام، وعد بلفور 1917 وإعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب القدس عاصمة لإسرائيل2017 .

منذ إعلان دونالد ترامب القدس عاصمة لإسرائيل في السابع من الشهر الجاري وهو للحقيقة يشكر إذ ذكر العرب بقضية كانت لفترة طويل طي النسيان، توالت ردود الفعل العربية، بين مستنكر ومستهجن وكأن فلسطين احتلت أمس الأول.

قبل الدخول في بازار ردود الأفعال والتباكي على القدس، لا بد من الإشارة إلى أن إعلان القدس عاصمة لإسرائيل ليس جديداً، إذ كان الكونغرس الأميركي قد قام بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل على عهد الرئيس الأميركي بيل كلينتون عام 1995، أي قبل 22 عاماً، فلمَ لم يحرّك ساكنا حينها ولما لم يتحرك الصياحون المتباكون لإيقاف هذا القرار.

لبنان الساحة المستباحة، البلد ذو الحدود المفتوحة، بلد "النأي بالنفس"، حيث يستطيع أي كان أن يستبيح هذا البلد لرد فعل، لعمل عسكري، لإقامة جيش تابع لدولة أجنبية، توالت من على أراضيه ردود الأفعال بدءا بزيارة قيس الخزعلي الأمين العام لميليشيات عصائب "أهل الحق" العراقية المنضوية تحت لواء ميليشيا "الحشد الشعبي" للحدود اللبنانية في الجنوب، برفقة عناصر من حزب الله حيث ظهر بلباس عسكري عند بوابة فاطمة، مصرحاً من هناك أنه سيقيم البدر الشيعي وليس الهلال معلناً "الجهوزية التامة" في "تلبية نداء الإسلام في التمهيد لدولة العدل الالهية دولة صاحب الزمان". الخزعلي مر من لبنان دون حسيب أو رقيب، ودخل البلاد بطريقة غير شرعية وكله من أجل "القضية"، أين القضية وأين منها دولة العدل الإلهية مفهومان لا يلتقيان إلا برأس الخزعلي وعلى الأراضي اللبنانية.

جاء تصريح وزير الخارجية جبران باسيل من على منبر الجامعة العربية في الاجتماع الطارئ الذي عقد على إثر إعلان ترامب وبعض ما جاء فيه: "الويل لنا إذا خرجنا اليوم بتخاذل، إما الثورة وإما الموت لأمة نائمة"، هذا التصريح المفعم بالعروبة في وقت البلد يعاني من أزمات يعجز المقال عن تعدادها، فكيف سيقوم وزير الخارجية بثورة والبلد يستضيف أكثر من 400 ألف لاجئ فلسطيني) إحصاءات غير رسمية) ومليون و800 ألف نازح سوري، ولكن للإنشاء مكان من على المنابر، وطالما البلد ساحة ويهيئ له كي يكون تتمة للبدر الشيعي ففي لبنان وعلى لسان باسيل: "لا نتهرب من قدرنا في المواجهة والمقاومة حتى الشهادة".

لا يقل خطاب أمين حزب الله السيد حسن نصر الله حماسةً، ولكن عنوان القضية تغير إلى "الحسين اليوم هو عنوان المظلومين، هو عنوان دين السماء الذي يُعتدى عليه، ومقدسات الأرض التي يُعتدى عليها"، ودعا الفلسطينيون إلى: "أريد أن أقول اليوم إن أهم، بالمطلق، أهم رد على قرار ترامب العدواني هو إعلان انتفاضة فلسطينية ثالثة على كامل الأرض الفلسطينية المحتلة، هذا هو الرد الكبير والحقيقي، وهي مسؤولية الفلسطينيين بالدرجة الأولى وعلى كل العالم العربي والإسلامي أن يقف إلى جانبهم وأن يساندهم". طالما لبنان ساحة مستباحة يستطيع السيد أن يدعو من على منبره إلى انتفاضة، إنها الساحة الرخوة في المنطقة، الساحة اللبنانية.
وصولا إلى تظاهرة عوكر مقر السفارة الأميركية في بيروت، انطلقت التظاهرة دون ترخيص، لم يهتم المنظمون بقوانين البلد المرعية الإجراء وانطلقوا بالتظاهرة، ابتدأت سلمية وانتهت برشق عناصر قوى الأمن اللبناني بالحجارة مما دفع بتلك الأخيرة باستدعاء تعزيزات من عناصر مكافحة الشغب إلى أمام مبنى السفارة، وبدل أن تكون التظاهرة راقية وتليق بمكانة القدس أصر المتظاهرون أن يحولوا ساحة عوكر، ساحة معركة وكأن عوكر هي للانتقام فشوهوا جدران المنازل بعبارات "الموت لإسرائيل وأميركا" والطرقات بحرق الإطارات والأعلام.

السؤال المحوري والجوهري ماذا يعرف هذا الجمهور عن "القضية" وماذا بقي من "القضية"؟ هل حاول أحد هؤلاء "الصياحون" أن يسأل ماذا يريد أهل القدس والفلسطينيون، ماذا بعد إعلان ترامب هل سيتراجع عن قراره بهذه الأعمال والخطابات، هل بهذه الأعمال يشكلون قوة ضغط؟ ماذا عن الواقعية السياسية في تحليل الواقع الفلسطيني وأين أدت هذه الخطابات بالشعب الفلسطيني، طالما السيد حسن وكل الممانعين من الخزعلي والخطّابين والصياحين والمطالبين بإقفال السفارات الأميركية يريدون مصلحة الشعب الفلسطيني لما لا يطالبون "فيلق القدس" الإيراني بالتدخل وتحرير فلسطين؟ لأن هذا كله كلام ولا يصرف في الواقع السياسي.

إن قرار ترامب دون شك طائش واستفزازي ولكنه لن يتراجع عنه، على القيادات الفلسطينية النضال من أجل القدس عاصمة لفلسطين ولكن بواقعية من هنا الحديث عن قدس شرقية وقدس غربية العودة إلى بحث موضوع حق عودة اللاجئين، والانتقال بعدها إلى ما تضمنته اتفاقية أوسلو والتي لم تتطبق إلى الآن وهو الجزء الأهم، فقد نصت الوثيقة بعد انقضاء ما لا يزيد عن ثلاث سنوات على توقيعها على البدء ببحث القضايا العالقة مثل: القدس، والمستوطنات، واللاجئين، والترتيبات الأمنية، والحدود، إضافة إلى التعاون مع الجيران وما يجده الطرفان من قضايا أخرى ذات اهتمام مشترك، كل ذلك سيتم بحثه استناداً إلى قراري مجلس الأمن الدولي 242 و338.

ماذا عن بث مباشر من أرض القدس أم أن المحطة التلفزيونية العربية التي ستزور فلسطين ستتهم بالتطبيع، تقرير مصور أو فيلم يتحدث إلى المقدسيين ويسألهم عن أحوالهم، ماذا يحبون وبماذا يحلمون هل يا ترى يعلمون شيئا عن قيس الخزعلي و"دولة صاحب الزمان".

أما بالنسبة لأصحاب دولة العدل الالهي الآتين من كتب ألف ليلة وليلة، تتحدثون عن القدس وكأن القدس ليست عاصمة عربية كتلك العواصم التي دنست كرامتها بالمد الإيراني ولم يحرك أي منكم ساكنا، بل إنكم تعتبرون ذلك نصرا مبيناً، وهل المحتل الإسرائيلي يختلف عن المحتل الإيراني، هما نفس العدو ولهما نفس المطامع في المنطقة.

بقيتم تدعمون سياسة الرئيس السوري بشار الأسد وتقدمون له التهنئة على انتصارات وهمية حتى وصل به المطاف أن يكون شاهد كومبارس في قاعدة حميميم كما شاهد العالم أجمع بالفيديو المنتشر لزيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، فهل هذا هو النموذج لما يخطط له للدول العربية، لعب بيد المحتل الإيراني ودمى متحركة أو العودة بهم إلى عصر الجاهلية كما تكلم الخزعلي؟
ابتعدوا عن "القضية" لأن قضيتكم غير "القضية".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط