.
.
.
.

راؤول غاندي ومستقبل حزب «المؤتمر»

ذكر الرحمن

نشر في: آخر تحديث:

شهدت الهند مؤخراً إجراء انتخابات طال انتظارها لاختيار رئيس جديد لـ«حزب المؤتمر القومي الهندي»، وتم انتخاب راؤول غاندي رئيساً له. ولم تكن المفاجأة كبيرة لأن انتخابه رئيساً لهذه المنظومة السياسية العريقة جاء بالإجماع. وينحدر «راؤول» من أسرتي غاندي - ونهرو اللتين قدمتا للهند ثلاثة رؤساء وزراء. فجدّه لأبيه هو السياسي الشهير «جواهر لال نهرو»، الذي كان أول رئيس للوزراء ومناضلاً كبيراً في حركة استقلال الهند عن بريطانيا. وكانت جدته لأمه أنديرا غاندي أول امرأة هندية تحتل منصب رئيسة الوزراء، وهي التي اشتهرت بالحكم بقبضتها الحديدية. وأبوه هو «راجيف غاندي» الذي انخرط في المعترك السياسي على مضض في أعقاب موت أخيه «سانجاي غاندي» في حادث تحطم طائرة رياضية عام 1980عندما كان مرشحاً لمنصب رئيس الوزراء عن حزب «المؤتمر» خلفاً لأمه أنديرا غاندي. وآثرت «سونيا غاندي»، أم راؤول، اقتحام عالم السياسة بعد موت زوجها حتى تواصل العطاء الوطني المشهود لأسرتي غاندي – نهرو، ثم ما لبثت أن تحملت مسؤولية قيادة حزب «المؤتمر» عندما كان في حالة من الارتباك والتردّي السياسي. ولم يقتصر نجاح «سونيا» على إعادة توحيد هذا الحزب الأكثر عراقة في تاريخ الهند، بل إنها سعت للتأكد من تكريس قدرته السياسية على حكم الهند لعقود مقبلة.

إلا أن «راؤول» يواجه الآن تحديات كبرى. فلقد انتخب رئيساً لحزب «المؤتمر» في وقت أصبح فيه الحزب في أسوأ أوضاعه السياسية، وهو يسعى الآن لإعادة تقوية النفوذ السياسي لحزبه والذي يتراجع باستمرار منذ هزيمته في انتخابات عام 2014 عندما حقق الحزب المنافس «بهاراتيا جاناتا» فوزه الكاسح. ومنذ ذلك الوقت، واصل الحزب الحاكم جهوده للإمساك بمفاصل السلطة السياسية عندما تمكن من الفوز في الانتخابات المحلية التي نظمت في العديد من الولايات الهندية، بما فيها ولاية «أوتار براديش» ذات الكثافة السكانية العالية. وفي المقابل، خسر «حزب المؤتمر» الانتخابات المحلية في كل الولايات الهندية تقريباً فيما عدا ولاية «البنجاب». ويسعى رئيس حزب «بهاراتيا جاناتا» الذي يقوده رئيس الوزراء الحالي ناريندرا مودي بكل قوة لتحييد وتهميش «حزب المؤتمر» واستبعاده تماماً من المشهد السياسي الهندي، والتهجم على كبار قياداته الحاليين والسابقين.

Advertisement
ولا يزال الوقت مبكراً للحكم على ما إذا كان في وسع «راؤول غاندي» أن يثبت أن له وزناً سياسياً ذا قيمة حقيقية في الواقع السياسي الهندي. ومنذ وقت طويل، أظهر عجزه الواضح عن الردّ على الانتقادات التي كانت توجّه له والتي كانت تزعم أنه لم يتمكن من الفوز بالمناصب التي تقلدها في حزب «المؤتمر» إلا بسبب نسبه العائلي التليد. وبدأ «راؤول» حياته السياسية عام 2004 باعتباره سليلاً لأسرتي نهرو-غاندي. وقضى ثماني سنوات بعد ذلك على هامش السياسة عندما ركّز اهتمامه على إعادة تنظيم الجناح الشبابي للحزب. وفي عام 2013، فاز بمنصب نائب رئيس الحزب من خلال سعي حزب المؤتمر لضم العضو السياسي الأصغر من عائلة غاندي في قياداته.

وفي الوقت الذي عجز فيه «راؤول غاندي» عن إثبات قدرته على المراوغة التي يتطلبها عالم السياسة في المراحل الأولى من نشاطه، يبدو أنه تعلم الآن هذا الفن، وبات جاهزاً للتقدم والارتقاء وإثبات جدارته وإحياء الإرث التاريخي لعائلته. وخلال زيارته للولايات المتحدة في إطار التحضير للحملة الانتخابية في ولاية جوجارات المهمة، تمكن من استمالة الهنود المقيمين هناك والذين دأبوا على تأييد حزب «بهاراتيا جاناتا» والفوز بدعمهم. وأظهر حتى الآن حنكة سياسية واضحة في إدارة الحملة حتى أصبح موضعاً لثقة الناخبين لدرجة أثارت مخاوف الحزب الحاكم، وعلى رأسه رئيس الوزراء ناريندرا مودي، خاصة بسبب نجاحه في مخاطبة سكان ولاية جوجارات التي تعتبر معقل «مودي»، والتي بقي حاكماً لها لمدة 15 عاماً قبل أن يصبح رئيساً للوزراء.

ولا يزال أمام راؤول غاندي أن يواجه تحدياً آخر. وهو أن يرتقي بحزب «المؤتمر» الذي تجاوز عمر تأسيسه المئة عام، والذي كان رائد الحياة السياسية في الهند خلال عقود عدة، بحيث يتلاءم مع معطيات العصر الحديث، حتى يتمكن من الفوز في الانتخابات المحلية في العديد من الولايات. وهو يحتاج أيضاً لمواجهة حزب «بهاراتيا جاناتا» وحملته الانتخابية ذات الطابع الصدامي، وتشكيل تحالفات ناجحة وفعالة في الولايات المختلفة حتى يضمن تقوية قواعد حزب «المؤتمر» الذي يقوده. وهو يحتاج أيضاً للتأكد من أن الأصوات المؤيدة لحزب «المؤتمر» في المناطق الفلاحية والفقيرة ستبقي على ولائها له. كما أن حزب «المؤتمر» الذي يدين في إنجازاته التاريخية لأسرتي نهرو-غاندي، يأمل بأن يكون راؤول في مستوى المسؤولية الملقاة على عاتقه بعد فوزه برئاسة الحزب. إنها لحظة التغيير، ولا شك في أن الحزب سيتمكن من العودة إلى الساحة السياسية بقوة.

ويبدو الآن أن راؤول غاندي لا يدّخر جهداً للارتقاء إلى مستوى توقعات أعضاء حزبه. ولقد قضى الشهر الماضي كله في ولاية جوجارات لتنبيه الناخبين إلى فشل الحزب الحاكم في تحقيق النمو الاقتصادي المنشود، ومحذراً الناخبين من الوقوع في فخ الاستقطاب الذي ينصبه متطرفو الجناح اليميني على المستوى الديني. ولقد أصبحت ولاية جوجارات مقراً لمعركة انتخابية حامية الوطيس، وبما يدفع «مودي» إلى القلق. خلاصة الأمر أن راؤول غاندي يقف الآن أمام تحدٍّ كبير، حيث عليه أن يثبت أن حزبه لم يعد مجرد كيان ضعيف يقف على هامش الأحداث السياسية التي تشهدها الهند.

* نقلا عن "الاتحاد"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.