.
.
.
.

السادات.. وسلماوى!

سليمان جودة

نشر في: آخر تحديث:

لا أستطيع أن أطلب من الأستاذ محمد سلماوى أن يكون عادلاً فى الحكم على السادات.. لا أستطيع.. لأن اعتقاله لشهرين فى أحداث ١٨ و١٩ يناير ١٩٧٧ يجعل انتظار الحكم العادل من جانبه على صاحب قرار الاعتقال فوق مقتضيات طبع الإنسان!

فى سيرته الذاتية الجميلة التى صدرت فى كتاب، يصف الأستاذ سلماوى خطوات السادات لاسترداد بقية أرضنا من إسرائيل، عبر زيارته إلى القدس ثم مفاوضات السلام التى اكتملت بعدها بأنها كانت مفاوضات ثنائية تهدف إلى حفظ ماء الوجه!

ولابد أن أى قارئ مُدقق لما جرى سوف يرى بعينيه أن السادات لم يلجأ إلى التفاوض الثنائى إلا بعد أن خذله العرب، وبعد أن تعاملوا معه بمنطق أتباع موسى عليه السلام، حين خاطبوه فقالوا: «فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون».

لقد ذهب السادات إلى دمشق قبل زيارته إلى إسرائيل، وأبلغ حافظ الأسد بأن الزيارة ليس الهدف منها استعادة ما تبقى من سيناء وحدها، وأن الهدف استرداد الجولان المحتلة معها وربما قبلها، ولكن الأسد خذله، فعادت سيناء كاملةً، وبقيت الجولان محتلة إلى هذه اللحظة!

وحين ذهب إلى القدس، صاح بأعلى صوت بأنه لا يخطب فيهم من أجل حل منفرد، وإنما من أجل حل شامل يبدأ بدولة اسمها فلسطين وينتهى بها.. قال ذلك فى الكنيست الإسرائيلى ذاته، وبأوضح لغة ممكنة، وبضغط منه على مخارج الحروف يجعل لكل كلمة تخرج عنه معنىً واحداً، لا معنيين.. قالها بكل قوة، وبكل شجاعة، وبكل جسارة.. ولكن الفلسطينيين، كحافظ الأسد، خذلوه!.. فعادت سيناء كاملةً، وبقيت الضفة محتلة، ومعها غزة مثلها محتلة، شأنهما بالضبط شأن الجولان!

وفى يوليو ١٩٧٨، روى بطل الحرب والسلام، فى لقاء له مع عدد من ضباط وجنود الجيش الثانى، أن عزرا فايتسمان، وزير الدفاع الإسرائيلى، جاءه فى القاهرة يقول إن الأمر إذا كان أمر سيناء، فإن إسرائيل لا مشكلة عندها أبداً فى عودة سيناء كاملة إلى مصر!.. ولكن السادات فاجأه بأن قال إن عودة سيناء إلى أصحابها مسألة لا شك فيها على الإطلاق، وإن القضية فى الأساس هى قضية عربية إسرائيلية، وليست مصرية إسرائيلية بأى حال!

قال ذلك وكرره وأعاده، فى لقاء معلن ومسجل ومذاع.. وقد أعادت قناة «ماسبيرو زمان» إذاعة هذا اللقاء بالذات فى ذكرى نصر أكتوبر قبل شهرين، لعل الذين لم يسمعوا به يسمعون!، ولكن أصحاب القضية خذلوا السادات العظيم، فلم يكن أمامه مفر من أن يذهب لاستعادة أرضه وأجره عند الله.. وقد استعادها ولم يفرط فى متر واحد فيها!

إننى فى لحظات كثيرة أتمنى لو أنه اكتفى بما أنجزه فى ٦ أكتوبر ١٩٧٣، ولو أنه أراح نفسه من هجوم ظالم تعرّض له ومن وجع دماغ كثير، ليأتى آخرون من بعده يستكملون الطريق، ويستعيدون هُم سيناء.. ولو فعل، لكن حالها اليوم هو بالضبط حال الجولان وغزة والضفة!

إلا إذا كان للأستاذ سلماوى رأى آخر!

*نقلا عن صحيفة "المصري اليوم".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.