«الاحتجاج» لليوناردو شاشا: رواية القطيعة مع الشيوعيين الإيطاليين

ابراهيم العريس
ابراهيم العريس
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
8 دقائق للقراءة

إذا كان كثر من نقاد السينما ومؤرخيها، ينظرون الى فيلم المخرج الإيطالي فرانشسكو روزي «جثث مميزة»، باعتباره واحداً من أفضل وأقوى أفلام مرحلته الأخيرة، فإن آخرين يعتبرونه الفيلم الذي تسبّب في صدام كان لا بد له أن يحصل يوماً بين هذا المخرج الكبير وبين الحزب الشيوعي الإيطالي الذي طويلاً ما احتضنه وسانده فعبّر روزي بالتالي في عدد لا بأس به من أفلامه عن مناصرته الحزب وأفكاره، ما أسبغ على سينماه شعبية كانت في إيطاليا وخارجها في حجم الشعبية الاستثنائية التي كانت لذلك الحزب الذي كان يعتبر في طول العالم وعرضه أقوى حزب شيوعي في بلد غير اشتراكي. فما الذي حدث وجعل روزي في «جثث مميزة» يقطع شعرة معاوية مع «حزبه» وقيادة هذا الحزب؟

> إن طرحت السؤال على الأوساط الثقافية الإيطالية سيأتيك الجواب سريعاً وواضحاً: الحق على ليوناردو شاشا. وشاشا هو الكاتب الذي اقتبس روزي فيلمه المذكور عام 1976، عن رواية له بعنوان أصلي هو «الاحتجاج» كانت قد صدرت قبل ذلك بفترة قصيرة. والحقيقة أن شاشا كان يُشتهر في تلك المرحلة بروايات عديدة قوية وذات شعبية كتبها وغايته منها مقارعة ذلك العدو الذي كان - ولا يزال - جاثماً على صدور الإيطاليين: المافيا. صحيح أن كتّاباً وفنانين إيطاليين كثراً كانوا يكرّسون أفضل إبداعاتهم لمقارعة المافيا، لكن شاشا كان أكثرهم جرأة ولا سيما في استناده الى قوة الحزب الشيوعي الذي كان من أنصاره وكان يحارب المافيا بدوره، فأمن له تلك الحماية والشعبية. ولكن ذات مرة، ووسط ظروف سياسية لم تتضح، كتب شاشا رواية «الاحتجاج» التي بدت وكأنها تبتعد بعض الشيء من كفاحه ضد المافيا، لتنصرف، ولم بشكل موارب، الى توجيه سلسلة انتقادات سياسية الى الحزب الشيوعي نفسه. ولمّا تلقف فرانشسكو روزي الرواية وحولها فيلما، حلّ كما يبدو، غضب الشيوعيين عليه وعلى شاشا سواء بسواء. فعمّ تتحدث هذه الرواية؟

> في يقيننا أن الإجابة، ولو بسرعة، عن هذا السؤال، من شأنها أن تكشف لنا جوانب الحكاية من أساسها. ولننظر بالتالي صوب الرواية. فهي وإن كانت تبدأ بما يوحي بأنها سوف تكون رواية أخرى تدين المافيا فاضحة تسللها الى السلطة وجرائمها، فإنها في الحقيقة، وبعد الجريمة الأولى التي تُرتكب مسفرة عن مقتل النائب العام فارغا فيما يكون قد خرج من ساعة تأمل في مقابر روما السفلية حيث جثامين المعلمين المدفونة منذ زمن ولم تتحلل بعد، تلي ذلك محاولات للتحقيق يقودها هذه المرة المحقق البوليسي روغاس وقد تبدأ هذه المحاولات في الحنوب حيث تسود المافيا، غير أنها سرعان ما تتحول وجهة أخرى- وكأن في ذلك رمزاً لتحول شاشا نفسه في أدبه من إدانة المافيا، الى النظر نحو السلطة نفسها وجرائمها بصرف النظر عن علاقتها بالمافيا. وهكذا تبدأ الرواية بالتطلّع صوب الجرائم المتتالية على اعتبار انها مؤامرة سلطوية- وليس فقط مافيوزية- لخلق حال من الرعب بين المواطنين تمكن السلطات الحاكمة نفسها من تشديد قبضتها على الحكم وقد بات يخيّل الى الجمهور العريض ان أصابع الاتهام توجّه الى المجموعات الثورية اليسارية، التي من الواضح لمنظور الرواية أنها هي التي تشكل الخطر الأكبر على السلطات الحاكمة، لا المافيا نفسها. والحال أن تلك السنوات كانت في إيطاليا سنوات حراك يساري ثوري يكتسب شعبية بالتدريج وبات لا بد من التخلص منه، إن لم يكن بالقتال المباشر ضده، فبتحريض المواطنين عليه. وهنا بالتحديد، ووفق الرواية، وإن بشكل شديد الالتباس هذه المرة، يأتي دور ما للحزب الشيوعي القوي والذي لئن كان يناوئ السلطات اليمينية الحاكمة، فإنه يخشى على نفسه ومصالحه، في الوقت ذاته، من صعود اليسار المتطرف. وهذا ما توحي به نهاية الرواية إذ تلمح الى تواطؤ ما بين السلطات الحاكمة وذلك الحزب الشعبي الكبير. وكان هذا التلميح كافياً، في حد ذاته، لإثارة الزوابع في وجه شاشا، ثم بعد ذلك، بالطبع، في وجه روزي حين حقق فيلمه.

> «أنا لا أنتمي الى ذلك الصنف من البشر الذين يختبئون في برج عاجي أو يعيشون فيه. وذلك لأن الواقع يهمني ويجتذبني بشكل يجعل من العسير عليّ أن أكتفي بالعيش بين أربعة جدران، حتى لو كنت - بشكل نسبي - قد فصلت نفسي عن كل ما هو لعبة سياسية او شُلل أدبية». بهذه الكلمات البسيطة حدد شاشا موقفه من الأدب والحياة كنوع من الرد على الزوابع، خلال الأعوام الأخيرة من حياته مضيفاً أنه لا يعتبر نفسه في الوقت ذاته «صانعاً الرأيَ العام»، قائلاً: «كل ما في الأمر أن ما أكتبه- الحقيقة التي أكشفها أو أدافع عنها- سرعان ما يصبح بعد ذلك موضوعاً للنقاش والسجال والمداولة. إنني أتدخل أقل وأقل في الساحة السياسية، وأختبئ أكثر وأكثر خلف الأدب. وهذا هو برجي العاجي الحقيقي».

> ومع هذا فإن شاشا، ككاتب مبدع وكابن من أبناء الجنوب الإيطالي، حيث تمارس «المافيا» أكبر قدر من النشاط والنفوذ والجرائم، لم يكف في كتاباته عن محاربتها وفضح أساليبها وهيمنتها العضوية على حياة الناس، وتأثيرها على تصرفاتهم. صحيح أن المعركة ضد المافيا كانت آخر وأخطر معركة خاضها شاشا في حياته التي كانت- على أي حال- حافلة بالمعارك. ولكن لئن كانت معاركه أول الأمر سياسية خاضها ضد الفاشية وضد من كان يطلق عليهم اسم «الرجعيين الكاثوليك»، فإنه سرعان ما اكتشف أن المعركة السياسية الحقيقية انما هي تلك التي تبدأ داخل المجتمع وفي عمق جذوره، لا عند مستوى البنى الفوقية. وكان هذا اكتشافاً متأخراً بالنسبة الى إيطالي ولد في 1921 في قرية بجزيرة صقلية تدعى راكالمونو (أي القرية الخرساء أو الميتة). وحول هذا الأمر كان شاشا يقول: اننا نحن معشر الكتاب الإيطاليين الذين غالباً ما يجد الواحد منا نفسه مولجاً بخوض شتى انواع المعارك، نستغرق وقتاً طويلاً قبل ان نكتشف في صحوة مفاجئة، اننا انما بدأنا بخوض المعارك - الخطأ غافلين عن المعارك الحقيقية. وهذا ما قادني شخصياً الى مبارحة المسرح السياسي بالتدريج حين كفت السياسة عن اثارة اهتمامي، انما من دون ان اكف عن رصد لعبة البنى السياسية وآثارها واسبابها وضروب نواقصها».

> ولعل هذا ما جعل ليوناردو شاشا، يكتب، منذ سنوات شبابه الأولى وحتى رحيله في تشرين الثاني (نوفمبر) 1989 عدداً كبيراً من الكتب، بين روايات وتحقيقات صحافية ودراسات أدبية ويترجم الى الإيطالية نصوصاً من لغات أخرى، بحيث ان لائحة كتبه تضم نحو مائة كتاب، وكلها تتميز برصد للواقع الايطالي توّجه خلال العقدين الأخيرين من حياته برصده للمافيا، التي يقول ان خطورتها بدأت تلوح بقوة منذ اواسط سنوات السبعين حين بدأت تحل محل جميع اللاعبين في الحياة السياسية الايطالية.

> لكن هذا الرصد لم يتسن له، الا بعد ان أزال عن عينيه «غشاوة السياسات الكبرى» كما قال هو نفسه، واكتشف، بعد نضال طويل في صفوف الحزب الشيوعي الايطالي، ان ثمة في هذا كله أزمة عميقة «كان من الخطأ اعتبارها أزمة فردية أو أزمة أشخاص عابرة، لانها في حقيقتها أزمة إجمالية، أزمة تفسير. فالحزب هو في حد ذاته خطأ إجمالي. والأزمة انحدار والانحدار ما ان يبدأ حتى يتواصل الى ما لا نهاية». ويرى شاشا ان نقطة الانطلاق لذلك الانحدار يمكن تحديدها تاريخياً: «انها تعود الى تقرير خروتشوف وما كشف عنه عام 1956». وعلى هذا النحو ما ان حقق شاشا هذا الاكتشاف، حتى راح يمعن في رصد الأجواء المحلية الايطالية ليصل الى ان الحرب الحقيقية حرب ضد البنى المحلية: بنى الفساد، والمافيا والأخطاء السياسية المتراكمة. صحيح ان شاشا حين توفي في 1989 كان غير متفائل بالمستقبل بما فيه الكفاية، لكنه كان يرى ان ثمة أشياء في ايطاليا سوف تتغير الى الأفضل. فهل كان بإمكانه ان يرى الواقع على هذا النحو لو انه عاش بضع سنين أخرى ليرى الفساد يعود الى بلده، من دون ان يكون قد رحل عنها، وليرى المافيا تسترد قوتها ونشاطها في ظل حكم «فورزا ايطاليا» بيرلوسكوني وحلفائه ومن تلاهم خلال عقود تالية؟

* نقلا عن "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط