.
.
.
.

موعظة خطيرة اسمها الديمقراطية

ممدوح المهيني

نشر في: آخر تحديث:

دائماً هناك سلاح تصوبه نحو صدور المختلفين معك. العروبة استُخدِمت ضد المختلفين "المتصهينين". والإسلام استُخدِم ضد الآخرين "المهرطقين"، ومن سنوات وكثيرون يستخدمون سلاح "الديمقراطية" ضد أعداء الحرية.

الغريب أن عشاق هذه الديمقراطية يُفترض أن يؤمنوا بقيمة الحرية، وأبسطها حرية التعبير عن الأفكار المختلفة معهم، ولكنهم في الحقيقة يحولون الديمقراطية إلى عقيدة خالصة، تفصل بين الأتقياء والأشقياء. حتى الإخوان المسلمون محترفو التكفير باتوا يرفعون شعار الديمقراطية ويهتفون باسم الحرية!

لكن الحقيقة أن الديمقراطية ليست عقيدة أو أيديولوجيا جاهزة للتطبيق في أي زمان ومكان. والخطورة الكبيرة تكمن في تبسيطها وتحويلها إلى موعظة أخلاقية أو قصيدة رومانسية، والاعتقاد أن مجرد التغني بها يعني تحققها على أرض الواقع. فهي ليست خلطة جاهزة، وحصولها لا يعني نهاية المشاكل بل ربما الدخول في نفق طويل من الأزمات.

في كتاب المفكر الأميركي الشهير، صاموئيل هنتنغتون، "النظم السياسية في المجتمعات المتغيرة" خرج المؤلف بنتيجة تجادل بأن نجاح الديمقراطية في دول مثل كوريا الجنوبية حدث بشكل رئيسي بسبب مرحلة النمو الاقتصادي التي سبقت تبني النظام الديمقراطي.

ارتفاع مستوى التعليم، والدخول في الموجة الصناعية وغيرهما، سهّل على كوريا الجنوبية تبني نظام ديمقراطي ساعدها بعد ذلك في الازدهار. هذا أيضا يفسر نجاح الديمقراطية في أوروبا الغربية قبل غيرها. إسبانيا التي يقال إنها لم تكن لتنجح في ديمقراطيتها لولا الإصلاحات الاقتصادية التي حدثت في العقد الأخير من حكم الدكتاتور فرانكو، وأدت إلى تغييرات جذرية في البنية الاجتماعية عندما اضطر الكثير من السكان للسفر والاستقرار في المدن، وكل ذلك أدى إلى ارتفاع النزعة الفردية. لماذا نجحت الديمقراطية المفروضة على اليابان فرضاً؟ لأنها مدعومة ببنية اقتصادية وثقافية متينة، مكنتها من الدخول سريعاً في العالم الحديث.

منذ عصر المييجي، وبسبب الرغبة الجامحة في التفوق العسكري وحماية أراضيها، دخلت اليابان في موجة كبيرة من التحديث. في عام 1871 ذهبت مجموعة من المسؤولين اليابانيين الرفيعين لأوروبا ولأميركا للاطلاع على التجربة الصناعية، ولم يعودوا إلا بعد عامين. انطلقت بعد ذلك شرارة التحديث، متضمنة إرسال الطلاب وجلب الخبراء ورفع مستوى التعليم وغرس قيم الكد والعمل الشاق وربطها بالهوية الوطنية. لهذا السبب - تحديداً - لم يكن عسيراً إدماجُ التجربة الديمقراطية، لكن بعد تاريخ طويل من التحديث. لماذا نجحت تشيلي قبل غيرها من دول أميركا اللاتينية؟ لذات السبب.

طبعاً هناك أسباب أخرى أيضاً، منها انتشار أفكار التنوير في أوروبا أو الثورات الفكرية التي غيرت في جذور الثقافة، وسهّلت عملية الانتقال الديمقراطي. كان هناك تركيز واضح من مفكري التنوير على أهمية التغيير الفكري الذي يسبق التغيير السياسي. في إشارة لأهمية التغيير الثقافي، يقول الفيلسوف الفرنسي الشهير، فولتير، في رسالة لإحدى السيدات "النقطة الأساسية هي أن يستنير الناس الذين نعيش بينهم، وأن ينتشر النور تدريجياً. حينها سيحترمك حتى أولئك الأعداء الجهلة، الذين يكرهون العقل والفضيلة".

الثقافة تحمي المجتمعات من التراجع، بمعنى أن الإنجليز أو الفرنسيين سيحافظون على مكاسب التنوير والحداثة وحقوق الإنسان والتسامح، ولن يعودوا للقرون الوسطى أو يتصارعوا بسبب الهويات الطائفية أو الدينية. حتى لو تعرضوا لخضات اقتصادية أو سياسية، فالثقافة ستحميهم من التمزق والتقاتل.

كل هذا مؤشر على أهمية الثقافة في نقل المجتمعات إلى مراحل مستقرة بعيداً عن التمزق والانقسام، الذي يحدث في المجتمعات الهشة. هذا ما يشير إليه المفكر الراحل، جورج طرابيشي، عندما يقول إن الديمقراطية ليست فقط صندوق انتخابات، ولكن الأهم هو صندوق الرأس، الذي في ظل ظروف حضارية متراجعة سيقف في وجه القيم النبيلة، مثل الحرية والعدالة.

أحد أسباب بروز الديمقراطية في أوروبا الغربية احتضان الطبقة البرجوازية لها. هناك أشبه بقانون تاريخي يقول "لا ديمقراطية بلا برجوازية". ومعروف أن هذه الطبقة هي التي احتضنت أصحاب الأفكار المستنيرة، وحمتهم من المتطرفين حتى تغلغلت أفكارهم إلى عقول عدد كبير من الناس.

وحتى لو كانت البرجوازية تعاني من الفساد، فإنها الوحيدة القادرة على التغيير. معدل دخل الفرد مؤشر على نجاح الديمقراطية من عدمه. كلما ارتفع الدخل كان الوضع أكثر سهولة، وتتعثر الديمقراطية مع معدلات دخل متدنية. الحديث عن معدل دخل الفرد مشروط بأن يكون دخلاً حقيقياً، وليس انعكاساً لثراء الدول بسبب الثروات الطبيعية، مثل الدول الخليجية.

هذه فقط بعض الأسباب التي تتحدث عن الظروف الموضوعية التي تؤدي إلى ازدهار ديمقراطيات ناجحة وليس مجرد القفز في الفراغ، بسبب المطامع والجوع السياسي للسلطة، حتى لو أدى إلى الفوضى والتمزق.

نرى في باكستان الديمقراطية انحطاط مستويات التعليم والصحة، والبلد يعد من أفقر البلدان، ويكاد ينزلق في الفوضى لولا سيطرة الجيش الذي يدير البلد. نيجيريا الديمقراطية تعاني من الفساد والفقر والإرهاب والصدامات العرقية والطائفية، والدولة عاجزة عن توفير أبسط الخدمات. نرى في الدول العربية الديمقراطية كيف تعطلت التنمية وحدثت تقسيمات عميقة في النسيج الاجتماعي، بسبب الاستقطاب السياسي الذي يلعب على الوتر القبلي أو العائلي أو الطائفي. يتم تصنيفك حتى لو كنت تريد أن تكون إنساناً أولاً ووطنياً ثانياً، ومن الممكن أن يتعطل البلد كله من أجل استجوابات على قضايا مختلقة، فقط من أجل التكسب السياسي في الانتخابات.

أي خطوات تهدف لتطوير التعليم أو الثقافة أو حقوق المرأة يتم وقفها من قبل المنتخبين أنفسهم. وقد شهدت خطبة مدوية من أحد المنتخبين يطالب بمحاكمة تلميذة بسبب زندقتها، وهو يخاطب بذلك غرائز الناخبين الذين هللوا له. خطيرة الديمقراطية عندما تتحول إلى موعظة وشعار. تعد بفردوس سياسي واجتماعي قد ينتهي إلى جحيم على الأرض.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.