.
.
.
.

القيادات الساذجة

عبدالله بن بخيت

نشر في: آخر تحديث:

في زمن الطفولة المتأخر كنا نتساءل باستغراب عظيم لماذا يجلس المدير في غرفة مكيفة ويستلم راتباً أكبر من راتب الموظف الذي يتعب ويشقى ويعرق. تساؤل يوافقنا عليه بعض البالغين آنذاك. في ظاهر الأمر ثمة منطق.. يجلس المدير على كرسي مريح وتحت المكيف ومكتبه معطر إذا شاء ويستلم آخر الشهر مرتباً يساوي مرتبات أربعة أو خمسة من موظفيه الذين يعملون تحت لهيب الشمس.
من ضمن المفاهيم السائدة آنذاك أن المدرب الرياضي يفترض أن يكون أفضل من كل لاعب في الفريق. كنا نتساءل كيف يدربهم وهو أقل منهم. كانت وظيفة المدرب في أخيلتنا أن يعلم اللاعبين مهارة اللعب.
مصدر هذه السذاجة كما لا يخفى نقص الخبرة والمعرفة. عندما تنظر للشيء من زاوية واحدة تغيب عنك بقية الزوايا. يمكن أن نقول عنها إنها سذاجة تكتسب منطقيتها في حدود المعطيات المتوفرة.
انبرى قبل فترة رجل وادعى وأكد أن الأرض مسطحة. قدم مجموعة من الأدلة من أهمها وأبلغها: إذا كنا نجلس على الوجه المقابل للسماء فالبشر الذين يجلسون في الجهة الثانية من الكرة الأرضية يجب أن يتهاوون في الفراغ. عندما تقيس هذا الدليل على طاولة أو سطح عمارة فلا شك أن كلام الرجل منطقي. سيهزم نيوتن في أي مناظرة أمام جمهور يفتقر للمعرفة.
الحياة تتشكل من أكثر من منطق واحد. كلما تقلصت المعرفة أو زادت كلما ظهر منطق يلائم حجم المعرفة المتاحة ليسهل التعامل مع الواقع ويعطي العقل احترامه. المشكلة في عالمنا الثالث أن المعارف متاحة للبعض ومغيبة عن البعض الآخر الأمر الذي يشكل هوة بين أعضاء المجتمع الواحد. في مجتمعات كهذه تنشأ طبقات معرفية لكل طبقة من هذه الطبقات منطقها الذي يتصادم مع منطق الطبقات الأخرى.
هذا التناقض المعرفي لا يتوقف عند كروية الأرض أو النزول على القمر أو الجهل بلعبة الشطرنج وإنما يمتد إلى نواحي الحياة الأساسية كالسياسة والدين والتعليم والحريات.
صوت كثير من الناس يطالبون بالخروج من الأمم المتحدة أو عدم الانصياع لقراراتها. هؤلاء ليسوا أغبياء ولكنهم لا يدركون طبيعة عمل الأمم المتحدة وخطورة الخروج منها. مثلهم مثل الذين يقرون أن وظيفة المحامي هي إنقاذ المجرم من العقاب.
لا تقتصر هذه الطبقة الساذجة على الدول المتخلفة. ستجدهم بكثرة في المجتمعات المتقدمة المسيطرة على العالم. الفرق أن هذه الفئة الساذجة لها نفوذ وتأثير كبير على الرأي العام ومراكز التعليم في الدول المتخلفة.

*نقلا عن صحيفة "الرياض".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.