«هرم اللوفر الصغير» ليواه مينغ باي: سجال لا يتوقف

ابراهيم العريس
ابراهيم العريس
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
8 دقائق للقراءة

الهرم الزجاجي «المصغّر» الذي يعتبر اليوم ثالث أكثر الأماكن ازدحاماً يومياً بالزوار القاصدين متحف اللوفر، بعد لوحة «موناليزا» وتمثال «أفروديت دا ميلو»، والذي يتوسط باحة نابوليون المواجهة لهذا الذي يعتبر أشهر متحف في العالم، ولد، تقريباً، بفضل هيام الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران بمصر القديمة وبكل ما يمت الى العصور الفرعونية بصلة. وهو هيام جعله يخصّ مصر بآخر زيارة له الى الخارج قبل رحيله بأيام. والحقيقة أن فكرة إقامة هرم في مواجهة المتحف الفرنسي العريق كان من شأنها أن تبدو هرطوقية وتثير سجالات لا تنتهي، لولا السلطة الأخلاقية التي استخدمها ميتران كي يفرض إرادته. ومع هذا، لئن سكتت الاحتجاجات التي جابهت الفكرة يومذاك، فإن احتجاجات أخرى انطلقت ولا تزال قائمة حتى اليوم لكنها تتعلق بالمواد التي بني بها الهرم، وهي مواد- من زجاج وفولاذ- أدخلت حداثة عصيّة على الاستيعاب على ذلك الحيز التاريخي المدهش.

> مهما يكن من أمر لا بد من البدء هنا بالحديث عن أن تنفيذ الفكرة بدأ فعلاً عام 1983 بعد ثلاثة أعوام من وصول ميتران الى السلطة، حين طُلب من المهندس المعماري يواه مينغ باي أن يشرع في تجسيد مشروع كان قدمه وهو عارف سلفاً بأنه سيثير كل ذلك الصخب. وقبل التوسع في هذا الحديث، لا بد من الإشارة الضرورية الى أن هرم اللوفر ليس في نهاية الأمر سوى بهو الدخول الى المتحف، حتى وإن كان بهواً ضخماً بشكل لا يمكن أن يشير إليه منظره من على بعد. فهو في الحقيقة يصل في ارتفاعه الى أكثر من واحد وعشرين متراً على قاعدة مربعة قياس كل ضلع من أضلعها أكثر من خمسة وثلاثين متراً، ويصل وزنه الإجمالي الى ما يقدّر بخمسة وتسعين طناً. أما البناء نفسه فيتكون من جدران شفافة رُكّبت من ستمئة وثلاثة معينات وسبعين مثلثاً من الزجاج... على شكل هرم بالطبع.

> هذا الهرم الصغير الذي تم افتتاحه الرسمي في حضور الرئيس الفرنسي يوم الثلاثين من آذار (مارس) 1989، ليفتح بعد ذلك للجمهور بدءاً من الأول من الشهر التالي، انطلقت فكرته أصلاً خلال مؤتمر صحافي عقده الرئيس ميتران يوم 24 أيلول (سبتمبر) 1981، معلناً فيه نيته توسيع متحف اللوفر نفسه لتشغل أجنحة جديدة فيه المباني التي كانت قبل ذلك مخصصة لوزارة الاقتصاد التي ستنقل الى مبنى خاص بها أقيم في منطقة برسي. ولقد أعلن ميتران يومذاك أن غايته إنما تكمن في جعل اللوفر متحفاً جماهيرياً، كخطوة على تحقيق «ثورة متحفية» حقيقية في البلاد. والحال أن الصحافة المؤيدة المشروع يومذاك، والتي كانت تقف في صف الرئيس الاشتراكي الفرنسي، سارعت الى التذكير بأن فكرة إنشاء مدخل مستقل يتوسط فناء نابوليون بونابرت داخل الحرم الجديد للوفر، ليست بأي حال، فكرة جديدة، بل أطلقها عام 1889 العمراني لوي إرنست لورو لمناسبة الاحتفالات الضخمة التي كان مزمَعاً إقامتها في ذكرى مئوية الثورة الفرنسية (علماً بأنه وفق المشروع الذي قدمه لورو، كان يريد أن يكون المبنى المنشود مبنياً على طراز معابد الإنكا وليس على طراز تلك القبور الفرعونية). لكن ذلك المشروع ألغي في اللحظات الأخيرة لأن الوقت داهم السلطات، فكان أن وضعت الفكرة من أساسها في المحفوظات حتى أتى الرئيس ميتران ليوقظها من سباتها بعد قرن من السنين، ما أسفر عن إقامة ذلك المبنى الذي تضاءلت «غرائبيته» وفق تعبير منتقديه، يوماً بعد يوم بحيث بات اليوم مَعْلماً من معالم العاصمة، بل حتى فاتحة لعدد كبير من المشاريع الحداثية الأخرى التي غزت باريس وراحت تعيش حياتها وتزدهر على رغم احتجاجات تصخب حيناً وتخفت حيناً، لكنها لا تتوقف.

> مهما يكن من أمر، على أيّ حال، من المؤكد أن الهرم الصغير الذي يتوسط اليوم المنطقة الأكثر عراقة وربما حتى الأكثر «باروكية» في العاصمة الفرنسية، تمكّن من أن يعزز، منذ كشف الستار عنه، ذلك الولع الفرنسي الشهير بمصر وبكل ما يتعلق بحضارة مصر الفرعونية. وهو ولع ينتج، كما نعرف، سنوياً مئات الكتب والدراسات، ويتمثل في عشرات المعارض، وخصوصاً في ألوف الزائرين من الفرنسيين الذين تدفعهم قراءاتهم عن مصر، وأيضاً زياراتهم هرم اللوفر الصغير، الى زيارة هذا البلد العربي ما يزيدهم تعلقاً به.

> طبعاً، ليست جديدة علاقة متحف اللوفر بمصر الفرعونية، إذ نعرف أن قاعاته ومخازنه تحتوي على عدد كبير من القطع الأثرية واللوحات التي وصلت هناك بأشكال وطرق متنوعة، ولا سيما كنتيجة لحملة نابوليون بونابرت على وادي النيل، تلك الحملة التي كانت استثنائية، بين الحملات الاستعمارية كافة، بما رافقها من جهد علمي وفني وضروب دراسة وتبحر أثري. لكن الهرم الزجاج الصغير الذي يتوسط الساحة التي تفصل بين شتى أجنحة القطر/ المتحف، أتى ليخرج بالولع المصري الماثل في اللوفر، الى خارج المبنى ويبقى هناك. وهكذا، منذ فتح الهرم أمام الجمهور كمدخل أساسي لولوج متحف اللوفر، بات من الأبرز في هذا المتحف حضور مصر فيه.

> غير أن هذه الصورة لم تكن زاهية في ذلك اليوم الى هذا الحد كما أشرنا، إذ نعرف أن الصحافة الفرنسية والدوائر الفنية خاضت سجالاً عنيفاً بعضه فني خالص لوجه الله، لكن بعضه لا يخلو من نزعة عنصرية. وكان هناك كثيرون يحتجون على «خرق جمالية اللوفر الكلاسيكية» بمبنى من زجاج وحديد، يعيد الأذهان الى مصر، وصممه الفنان الصيني الأصل يواه منغ باي، وافتتحه رئيس البلاد رسمياً قبل ذلك بشهور عدة. لقد انتظر المحتجون يومذاك تحوّل المبنى ليصبح جزءاً من المشهد العام للوفر، وتدافع الناس لمشاهدته حتى يبدوا احتجاجهم. ولقد رد خبراء كانوا من أنصار المشروع بأنه «حين ستهدأ الأصداء ويخفت صوت النقاش الحاد، سوف يتبين لنا، بما لا يدع مجالاً لأي شك، أن السجال حول هرم اللوفر ليس سجالاً جمالياً، بل هو ثقافي وحضاري، إذ إن حضارات الماضي التي لا تزال حية حتى اليوم- كما قال الباحث الفرنسي آلان جيرار سلامة - نادراً ما أتت لتجاور بعضها بعضاً، هي التي اعتادت أن تحل مكان ما سبقها.

> بالنسبة الى هذا الباحث، يأتي المشروع ليضع حضارة الى جوار أخرى، على عكس ما يحدث في المدن الأوروبية حين تأتي الطرز العمرانية، لتترجم، على قطعة الأرض الواحدة، تبدلات حضارة واحدة، ونادراً ما تأتي كشاهد على أن ثمة متسعاً للجميع. وفي هذا الإطار أعطى سلامة نموذج التجاور، الاستثنائي، في قرطبة الأندلسية مثلاً، بين مسجد قرطبة الشهير وكنيسة «سانتا كروز» التي أقيمت هناك بناء على أوامر شارلكان، من دون أن يدمَّر المسجد. وهذا المشهد الرائع وفق الباحث، يذكرنا اليوم بأن أحداً لم يحتج بل إن كثيرين رأوا، ولا يزالون يرون حتى اليوم، الفن كل الفن في ذلك التجاور. وقال سلامة إن هذا ينطبق، إذاً على ذلك التجاور بين اللوفر والهرم الصغير. وأضاف أن ثمة منشآت بنيت في باريس خلال العقود المنصرمة، مثل برج مونبارناس ومركز بوبور، وأعمدة بورين، إضافة الى هرم اللوفر، وكلها أقيمت بأشكالها الاستثنائية ضمن مناخ غريب عنها. «لكنها سرعان ما أصبحت جزءاً من ذلك المناخ، أغنته وأعطته أبعاداً جديدة غنية واستثنائية». و «لا شك، قال سلامة، في أن هرم اللوفر سيكون هكذا مصيره، إضافة الى أن الزائر سوف يشعر دائماً بأن ثمة صراع مجابهة ايجابية بين متحف كلاسيكي العمران، ومبنى يواجهه يجمع أقصى درجات الأصالة الحضارية (الشكل الهرمي) وأعلى درجات الحداثة العمرانية (معمار الزجاج المعدن). وفي النهاية، «من المؤكد أن المتحف هو الذي سوف ينتصر من دون أن يعني ذلك أن الهرم سينهزم، بل سيصبح مبرراً للتوق الى الهرم الأصلي». وهذا ما كان بالفعل، اعتباراً من تلك اللحظات.

> بقي أن نذكر أن يواه مينغ باي الذي تجاوزت سنه المئة عام قبل شهور، ولا يزال يمارس الهندسة المعمارية انطلاقاً من مكتبه النيويركي، ولد في الصين لكنه يعيش في الولايات المتحدة التي يحمل جنسيتها ويعتبر من كبار عمرانيها دون أن تكون شهرته قد وصلت حقاً الى أوروبا قبل السجالات المتعلقة بهرم اللوفر. ومن أشهر إنجازات مينغ باي الحائز على جائزة بيتزكر (نوبل المعماريين في العالم)، مكتبة جون كنيدي في بوسطن، الجناح الشرقي لـ «ناشنال غاليري أوف آرت»، و «برج بنك الصين في هونغ كونغ...

نقلاً عن "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.