وهذا أيضاً فساد

فهد الدغيثر
فهد الدغيثر
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
5 دقائق للقراءة

تحدثت عبر هذه الصحيفة قبل أسبوعين عن بعض أنواع الفساد المسكوت عنه، والمتمثل في عصيان الأنظمة جهاراً نهاراً، واستشهدت بما يحدث في السعودية كمثال، وهو التوظيف المزيف للحصول على نسبة لـ «السعودة»، وعصيان أنظمة السير أمام الجهات الرقابية بلا خوف من متابعة، وإصدار بعض التقارير الطبية المزورة وغير ذلك. هذه المرة سأتناول فساداً جديداً ومرعباً ومكلفاً ولا يتحدث عنه أحد، وهو ما يتصل ببناء المنازل الجديدة التجارية بهدف بيعها للمواطن، وهذه ظاهرة تنتشر في عدد من المدن العربية، في طليعتها القاهرة والرياض وغيرهما.

الكثير من الشباب بالطبع يتطلع لامتلاك منزل العمر، والعروض تنهال من كل صوب، العامل الأهم عند اختيار البيت هو الموقع، يليه السعر والتصميم والتنفيذ، غير أن الصدمة الهائلة تحدث بمجرد إتمام عملية الشراء البسيطة وانتظار تسليم الوحدة السكنية.

شاب سعودي يشتري منزلاً جديداً يقع ضمن سلسلة من المنازل المتشابهة الجديدة في أحد أحياء الرياض، مشهد نلحظه كثيراً في مدننا أخيراً بسبب الطلب الكبير على البيوت، المطوّر لمثل هذا المشروع عادةً إما فرد أو مؤسسة متوسطة للتطوير العقاري، أكمل هذا الشاب مفاوضاته، ووقّع عقد الشراء، ودفع الثمن كاملاً، المطور لم ينهِ مشروعه في الوقت المتفق عليه، ما اضطر الشاب إلى إكمال النواقص بنفسه، عندما انتقل إلى البيت ليبدأ حياته الجديدة بدأت المعاناة، تسرّبات المياه تغطي معظم جدران المنزل الجديد من الداخل والخارج، يتصل بالمطور ولا يجد الحماس المتوقع لإصلاح العيوب في تنفيذ الشبكة المائية، ما يضطر معه إلى توظيف فنيي صيانة على حسابه. لا أحدثكم عن وجود خرائط هندسية توضح مواقع الأنابيب، ولذلك فالحلول عبارة عن تخمين في تحديد مواقع التسرّب، يليه تكسير بلاط في مواقع متعددة، هذا على افتراض أن هذا «الفني» قادر على قراءة المخطط الهندسي أصلاً.

المؤلم في هذه القصة، أن هذا الشاب أمضى ثلاث سنوات وهو يصارع طواحين الهواء بحثاً عن مواقع تسريب المياه ثم محاولة إصلاحها، عطفاً على ذلك لم يتمكن حتى اليوم من إحضار الأثاث لكامل البيت.

لكن أين الخلل هنا؟ ولماذا يغامر هذا المطور في جودة البناء في سبيل جني الأرباح لتظهر هذه النتائج الكارثية؟ من واقع قصة الشاب، لا يوجد أي شعور بالمسؤولية أو الخوف لدى المطور، بل إن استجاباته لشكاوى المشتري تدل على الاستهتار. نقول ذلك على رغم قدرة هذا المطور على توفير مواد البناء وعقود التشييد بطريقة منافسة، كونه يوفر للشركات المنفذة مشاريع عدة، وبالتالي يملك قدرة تفاوضية للحصول على أفضل الأسعار.

لا أعلم في الحقيقة عن أي دور رقابي متوافر غير الذمة والأمانة والخوف من الله، لا يمكن الدولة سواء في المملكة أو مصر أو أي مكان آخر أن توظف مشرفين يجولون المدن للتأكد من سلامة كل منزل أو عمارة تحت التشييد، واعتماد المطور لتنفيذ التصاميم بالمهنية المطلوبة. إذاً، الحل الوحيد برأيي يكمن في الخوف من العقوبة والتأديب والمنافس، وسأعود للمنافسة بعد قليل، وهذا لم يطبَّق حتى الآن، هذا ما سيفعله الشاب المتضرر وعدد من جيرانه ممن يعانون من المشكلة نفسها ومن المطور نفسه. أتمنى أن يجد هذا الشاب ومن تضرر معه من يدافع عنه من المحامين الأقوياء، لإيقاف هذا الفساد المنتشر على نطاق واسع مع الأسف.

نعود ونذكِّر بأهمية بسط القوانين الشاملة مع العقوبات الرادعة في مجتمعاتنا العربية بشكل عام، لم تعد الثقة وحدها ولا الظن بنقاء الذمم كافيين لتيسير أمور الحياة والمعاش في المجتمعات النامية هذا الزمن.

هذه القصة مجرد مثال يوضح الحاجة للانتقال إلى المجتمع المسؤول والتنافس الخلاق الذي يعتمد على معايير الجودة، ما حدث للشاب قد يحدث لمريض يراجع عيادة طبيب مغمور، وقد يحدث لصاحب عربة اختار إصلاحها في ورشة غير مهيأة، لكنها تحمل تراخيص رسمية لممارسة عملها، وقد يحدث في مدارس خاصة تتجاهل أبسط ضروريات الموقع كمكان تعليمي، وتتجاهل تأثيثه بالطرق المهنية المعروفة ووسائل السلامة. يحدث ذلك لأننا، كشعوب تشتري الخدمات، كسالى في ملاحقة الفاسدين، وتتردد السلطات كثيراً في التشهير بهم عندما تقبض عليهم. في السعودية، ولا أعلم عن الدول العربية الأخرى، وإلى وقت قريب، وباستثناء بعض الحالات الضيقة، لا مشكلة أن يتقدم المتضرر باسمه الصحيح ويخرج لوسائل الإعلام، ولكن التشهير بمن تسبب له بالضرر ممنوع إلا بأمر قضائي.

اقتصادياً أيضاً توجد أضرار من نوع آخر، ذلك أن مقدم الخدمة ممن يقوم بعمله بمهنية وتميز لا يستطيع منافسة هؤلاء العبثيين بسبب انخفاض تكاليفهم، وهو أمر متوقع. لذلك، فأسواقنا وبيئتنا تعتبر طاردة في حقيقة الأمر للمؤسسات الكبيرة المهنية، وحاضنة للمرتزقة أمثال هؤلاء، وهذا لا يبشِّر بمستقبل واعد في تقديم مثل هذه الخدمات.

أخيراً، وجود هذه الظاهرة يخنق سوق العمل، ويقلل من فرص التوظيف. ما الذي يجبر المستثمر المزوّر الممارس للغش على توظيف الكفاءات من مراقبين ومشرفين ودفع رواتبهم المجزية طالما سمحنا له بمزاولة عمله الرديء من دون وجود الطاقم المهني المناسب وبلا مساءلة؟ نتكلم هنا عن آلاف الفرص التي يفترض أن تتوافر لشبان وشابات المجتمع ممن حصلوا على الشهادات الهندسية المناسبة لهذه الصناعة.

لاحظتم هنا أهمية توافر جميع الحلقات التي توصلنا إلى مجتمع متكامل قابل للنمو والاستدامة وتحديات الغد. غياب عدد من الحلقات المهمة في هذه السلسلة وغيرها كما أشرت، يبقينا في «مكانك راوح»، مهما بلغ حسن النوايا ومهما توافرت الأموال الداعمة.

وجود هذه الظاهرة يخنق سوق العمل ويقلل من فرص التوظيف ما الذي يجبر المستثمر المزور الممارس للغش على توظيف الكفاءات من مراقبين ومشرفين ودفع رواتبهم المجزية طالما سمحنا له بمزاولة عمله الرديء من دون وجود الطاقم المهني المناسب وبلا مساءلة؟

* نقلا عن "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط