.
.
.
.

ملك مصر King of Egypt

عبد المنعم سعيد

نشر في: آخر تحديث:

هناك صورتان لملوك ـ فراعنة ـ مصر القدامى: الأولى جاءت فى الكتب المقدسة، وكانت سلبية فى عمومها باعتبارهم الجبارين الذين ظلموا شعوبا وأنبياء. والثانية أظهرتها كتب التاريخ وكانوا فيها أول من بنوا الحضارات الإنسانية، وأسسوا لعلوم فى الطب والعمارة، وجاء منهم وشعبهم المصرى «فجر الضمير». وسواء كانت صورة مصر وملوكها على هذا النحو أو ذاك، فإن مصر كانت رقما لا يمكن تجاهله، لا فى الكتب السماوية، ولا فى كتب التاريخ، وعندما هتفت وغنت الجماهير الإنجليزية المشجعة للاعب «محمد صلاح» فقد وصفته إيجابيا بأنه «ملك مصر» الذى يستحق الإعجاب والبركة.

كان لاعبنا توا قد قدم مباراة رائعة بين فريقه ليفربول وتوتنهام، وأحرز هدفا رائعا وآخر وصف بأنه «عالمى»، ولكنه لم يكتف بذلك فقد خلع قميص لعبه وفى تواضع تام اتجه نحو طفل فى المدرجات رفع لافتة يطلب فيها من الرجل أن يمنحه قميصه لكى يكون تذكارا يفخر به وينتشى. انفجر الجمهور بالهتاف والغناء «لمو ملك مصر» فى ثانية التماس بين الكبير والصغير. بالطبع فإن الإنجليز يعلمون أن مصر لم تعد ملكية، ولم يعد لديها ملك، وحتى ليست كما كانت منذ آلاف الأعوام، ولكن التحية كانت لأنه فى تلك اللحظة المثيرة التى تسلم فيها طفل قميصا فإن العظمة والتاريخ والحضارة تجسدت فى شخص ما لبث أن ذهب بعيدا بقدر من خجل.

منذ وقت طويل باتت لى نظرة أخرى لرياضة كرة القدم، وبالطبع فقد حاولت فى صباى أن أكون لاعبا ولكننى فشلت فشلا ذريعا رغم حبى للعبة، فكان من إشفاق الصغار المهرة على إلا أن أكون حكما للمباريات ربما لأننى كنت أقرأ صحفا منبهرا بنجيب المستكاوى وصالح سليم والضظوى. ولكن الزمن، وربما بعض من العلم، جعلنى أرى فى المباريات ظاهرة اجتماعية فذة. فهى لعبة جماعية، وفيها الدفاع والهجوم، والاستراتيجيات المختلفة، والسرعة، والمراوغة، وتعبيرات ومفاهيم شتى توجد كلها فى تفاعلات الأمم، داخلها وخارجها. وفى حالتنا هذه، فإن محمد صلاح إذا كان ملكا لمصر بالنسبة للإنجليز، فإنه بالنسبة للمصريين، بالإضافة للفخر، مصدرا مهما للتساؤل عن السبب الذى يجعل لاعبنا فارقا بين الأجانب فى سويسرا وإيطاليا وإنجلترا، وفارقا أيضا بين المصريين. من الممكن رصد حقيقة أن عصبة اللاعبين المصريين الحاليين والذين يلعبون خارج مصر أفضل من سابقيهم، وهم أكثر «عولمة» بمعنى القدرة على التواؤم مع حضارات وثقافات أخرى، فلم يعد يحدث لهم ما حدث لسابقيهم من لمعان ثم انسحاب سريع إلى مصر ينتهى إلى الخروج من الملاعب. أكثر من ذلك فإنهم بفعل وسائل الاتصال الحديثة أصبحوا قدوة وحلما لكثير من أطفال مصر، وأسرهم التى لم تعد عقبة فى وجه طموحات الأبناء فى الوصول إلى العالم.

ولكن السؤال يظل: لماذا لايزال «ملك مصر» يشكل فارقا كبيرا سواء عن رفاقه فى العصبة المصرية، أو هؤلاء الذين لايزالون فى مصر؟ أساتذة الاجتماع وعلم النفس مستدعون لدراسة الحالة التى تميز مصريا على آخر، وأحيانا مدينة مصرية عن أخرى، فلماذا كان حب العمل فى دمياط وليس فى محافظات مجاورة، ولماذا امتازت أخميم بصناعات لم ترد على مدن قريبة، وهكذا حال. المؤكد أن صلاح ليس مستحوذا على جينات مختلفة عن البقية، وللأسف فإننى لا أعرف عبقريا آخر جاء من ذات القرية، وهنا لا يوجد سوى العلم الذى قد يقودنا إلى أن «الفردية» هى عملية للبناء الذاتى، والانضباط العملى، والتعلم والتدريب المستمر والتى تجعل شخصا ما متفوقا على آخرين. «التوفيق» و«البركة» واردة، ولكنها ليس لأحد يد فيها، وإنما الجانب الإنسانى هو الذى يسمح بترجمة كل ذلك إلى حقائق فى السلوك، قد تسجل هدفا أو تشكل موقفا إنسانيا حضاريا يلهب الجماهير لملك مصر. محمد صلاح حالة، بالتأكيد ليست الوحيدة فى شعب كبير مثل مصر، وهناك من يبذلون أرواحهم من أجل وطنهم، ولكن معركة بناء مصر واستعادتها لمجدها العريق تحتاج كثرة كبيرة من هذه النوعية من المصريين أصحاب الأحلام الكبيرة، والمشروعات العظيمة، والتى لا تكتفى بالتفوق الداخلى، أو حتى المنافسة الخارجية، وإنما تلك التى ليس لأحلامها سقف ولا نهاية.

* نقلاً عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.