.
.
.
.

مانديلا الثقل على زعماء جنوب أفريقيا

عبد الرحمن شلقم

نشر في: آخر تحديث:

استقال جاكوب زوما، الرئيس الثالث لجنوب أفريقيا. أصابته طلقات سياسية واقتصادية وأخلاقية. قبل ذلك، أزيح من رئاسة الحزب الحاكم، وسط حملة عاتية من التهم من داخل حزبه وخارجه. زوما، السياسي الذي كان من القيادات البارزة في معركة الوطنيين الجنوب أفريقيين ضد نظام التمييز العنصري، يمتلك شخصية صدامية وتصالحية في الوقت ذاته، يخاصم ويضحك ويرقص بالقوة نفسها.
قدر دولة جنوب أفريقيا أن تبقى طويلاً تحت ثقل شخصية تاريخية استثنائية (نيلسون منديلا)؛ ترك كتلة من القيم الإنسانية والسياسية تشكل معياراً حاكماً يُلقى على أكتاف كل من يأتي بعده في موقع الحكم. لم يوظف نضاله ومعاناته لبناء زعامة تقصي الآخرين، وتبتز عواطف العامة، أو يدخل في مستنقع الفساد المالي والأخلاقي. تصالح مع ظلمه وسجنه، قال: لا نهدم الدولة، بل نبنى دولة جديدة فوق الأولى دون عنصرية أو حقد أو فساد. رحل عن الحكم زاهداً بسيطاً، بعد أن ملأ الدنيا وشغل الناس، وأصبح أيقونة للحرية والتسامح والسلام. بعض الشخصيات الرمز في التاريخ يكون تأثيرها غائبة أقوى منه وهي على قيد الحياة وفوق كرسي السلطة وموقع القرار.
بعد مغادرة نيلسون مانديلا الرئاسة، جاء تابو أمبيكي، المناضل والشاعر، ليخلفه على زعامة حزب المؤتمر الوطني الأفريقي الحاكم، وفي رئاسة الجمهورية. رجل تسلح بالشفافية والنزاهة والمبادرة. رافقه ظل مانديلا وهو يتحرك رئيساً لجنوب أفريقيا، وشخصية فاعلة على مستوى القارة الأفريقية. عرفته عن قرب، عالجتُ معه عدداً من الملفات الأفريقية، خصوصاً تلك التي تتعلق بالاتحاد الأفريقي. له قدرة فائقة على المبادرات الموضوعية، ومواقف صلبة في وجه التدخلات الخارجية في القضايا الأفريقية. وبعد مغادرته للرئاسة، كرّس جهده للعمل من أجل السلام في البلدان الأفريقية التي تعاني من الحروب والنزاعات، فهو نيلسون منديلا ثانٍ على مستوى القارة.
زوما، الذي خلف تابو أمبيكي، خرج من جلباب مانديلا، لا أستطيع أن أقول إنه فعل ذلك بقرار مدروس أو بحكم شخصيته المتحررة المقتحمة. وحزب المؤتمر الأفريقي الحاكم جسم سياسي واجتماعي له قوة متمكنة في مفاصل الدولة وفي كيان المجتمع، نجح في ترسيخ مصالحة أسطورية بعد قرون من العنصرية والتهميش والمعاناة. القوة المحركة له تأييد شعبي جارف، وقبول من الأقلية البيضاء، وروح مانديلا هي الوقود الذي لا ينضب، تحرك الحزب وترسم مساراته العامة. الرئيس السابق تابو أمبيكي قدم شحنة قيم للحياة السياسية في دولة جنوب أفريقيا، أضيفت إلى إرث نيلسون مانديلا. كتلة «القيم» ستفعل بقوة إلى مدى طويل في الحياة بتلك البلاد التي تمتلك قوة اقتصادية متميزة في القارة الأفريقية، متسلحة بتجربة تاريخية فريدة. استقالة زوما صفحة مضافة إلى مجلد المسيرة الفريدة لهذه البلاد التي عاشت معاناة مريرة قلَّ مثيلها على المستوى الإنساني. خرج الرئيس الجدلي من المشهد السياسي بهدوء يعبر عن المزاج السلمي الديمقراطي. كان الضغط الاجتماعي هائلاً، ربما أثقل من ذلك السياسي. الشارع كان المبادر بالتعبير عن غضبه من الرئيس زوما بسبب الفساد، وارتفاع معدل البطالة، وتراجع الاستثمارات الأجنبية، إضافة إلى التجاوزات الأخلاقية. الحزب الحاكم كان الأسرع بصياغة وصفة العلاج، بانتخاب رئيس جديد له، وإزاحة زوما عن رئاسته. حاول زوما أن يناور ويراوغ، لكنه قَبِل المغادرة بهدوء، مؤكداً أنه لا يريد أن يدخل البلاد في دوامة الصراع والعنف. النسيج الاجتماعي في جنوب أفريقيا له حساسية خاصة؛ كان في مراحل تاريخية أداة تفجير، وكان في أخرى قوة تلاحم ووحدة.
الرئيس الجديد القادم - سيريل رامافوزا - شخصية متعددة القدرات والمؤهلات؛ مناضل قديم من رفاق نيلسون منديلا، ومن رموز الحزب الحاكم، وهو رجل أعمال ثري له علاقات على مستوى القارة الأفريقية وعلى المستوى العالمي أيضاً. له أفكار ومبادرات لمواجهة البطالة، وتحفيز الاستثمار الخارجي، وتحريك حزمة من المشروعات الكبيرة والمتوسطة، ومواجهة الفساد والكساد. لن تكون مهمته سهلة؛ الحزب الحاكم يحتوي على قوى سياسية قيادية نافذة داخل الحزب، وعلى امتداد المجتمع ومكوناته. ستكون هذه القيادات الرموز التي ترفع الأجراس دون توقف. الصحافة الحرة القوية عيون وأصوات لا تهدأ، تلاحق سلوك الرئيس، تحاكمه على الهواء، وتدفع الصوت والصورة والحروف إلى الجميع. قادة الرأي جيش فاعل يمتد على مساحة البلاد، إزاحة زوما العنيد ستكون قوة مضافة إلى الزخم الشعبي الرقابي.
هناك سلسلة من التحديات والاختبارات التي تنتظر القادم الجديد: البطالة هي الضاغط الأول، وإيجاد حل سريع لها هو الاختبار الأول للقادم الجديد. هو رجل أعمال، وهذا مؤهله الأساسي، هل يمتلك يداً سحرية تفتح الأبواب أمام آلاف الشباب للدخول إلى دواليب العمل؟ الجريمة التي تعصف بالمجتمع، وكذلك تدفق القادمين من الدول الأفريقية المجاورة والبعيدة، التي تعاني من صراعات ومختنقات اقتصادية، تربك جملة من المسارات الاجتماعية والاقتصادية والأمنية في البلاد.
آلية اتخاذ القرار السياسي داخل الحزب الحاكم نقطة تحدٍ مزمنة، النظام في جنوب أفريقيا رئاسي، لكن للبرلمان دوراً لا يمكن أن يتجاوزه الرئيس. النقابات قوة أساسية فاعلة لا يمكن القفز عليها أو تحييدها. القادم الجديد، بحكم كونه رجل أعمال، له علاقات متعددة المحطات مع هذا الكيان الفاعل القوي.
سيريل رامافوزا، الذي يحمل شيئاً من إرث نيلسون منديلا، سيكون هذا الإرث له وعليه. مطالباً بالشفافية والطهارة المنديلية، بقدر ما هو مطالب بمواجهة الإكراهات المعيشية التي تعصف بالبلاد. سيكون مكرهاً على اتخاذ قرارات مؤلمة لمواجهة الاختناقات الاقتصادية، والاضطرابات الاجتماعية، وممارسة الدور القيادي على مستوى القارة الأفريقية التي تعاني من أزمات مزمنة ومتجددة.
الحقيقة الحاضرة الغائبة... نيلسون مانديلا يبقى الثقل التاريخي الفاعل على الزعماء السياسيين لجنوب أفريقيا يحكمون به ويحاكمهم في الوقت ذاته.

* نقلاً عن "الشرق الأوسط"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.