الحياة بين الحاضر والماضي

عبدالله بن بخيت
عبدالله بن بخيت
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
دقيقتان للقراءة

يستطيع الإنسان أن يمسك ورقة وقلماً ويحصي كم عدد الوظائف المتاحة للإنسان قبل مئة وخمسين سنة فما أبعد. فلاح، راعٍ، جندي، صانع، أستاذ، بناء، عامل بناء، تاجر، صبي جمال، شيخ، وأمير.. إلخ. مهما بالغت لن تجد أكثر من مئة وظيفة متوفرة فيما قبل مئتي سنة. إذا تأملت في تلك الوظائف سترى أن أكثرها يعتمد على القوة الجسدية. تقصي طبيعتها المستندة على العضلات المرأة من سوق العمل. ويزيد الأمر تعقيداً أن عدد الوظائف قليلة والمنافسة عليها شديدة، عندئذ تصبح القسمة عادلة أن يشترك الرجل والمرأة في وظيفة واحدة. يعمل الرجل في الخارج والمرأة تسانده في البيت.

العمل في ذاك الزمن يستهلك طاقة الرجل حتى آخر قطرة. يصل البيت مضعضعاً. دور الزوجة (كزوجة) كان أساسياً وإلا ماتا معاً من الجوع. لا يوجد مطاعم وطلبات خارجية، لا يوجد مغاسل ملابس، لا يوجد غاز، لا يوجد أي سبب للراحة. ما تبذله المرأة في البيت كان يعادل ما يبذله الرجل في الحقل. لم يكن الرجل يصرف على المرأة تفضلاً. إذا توقفت عن خدمة البيت هلك هو من الجوع أولاً.

إذا كان عدد الوظائف في الماضي لا يتعدى المئات فعدد الوظائف اليوم بالملايين. وأكثر من هذا يمكن للإنسان الذكي أن يخترع وظيفته وقد يتولد عنها مئات الوظائف الجديدة.

أعمال اليوم لا يوجد فيها ما يرهق جسدياً. يمكن لضابط طيار أن يدمر بلدة كاملة دون أن يستهلك ألف سعر حراري من طاقة جسده. في النصف ساعة التي يقضيها محلقاً في سماوات العدو يكون قد قتل من الأعداء أكثر مما قتل فرسان بني عبس في تاريخهم المجيد كله.

الإنسان الذي نقرؤه في كتب التاريخ لم يعد موجوداً. القوانين والفتاوى التي صدرت لتنظيم حياته ليس لها أي قيمة أو فائدة في عصرنا.

الحياة التي نعيشها في القرنين العشرين والواحد والعشرين فارقت الحياة التي عاشها أجدادنا إلى الأبد. يكفيك أن تقارن بين معنى تكاليف الحياة قبل مئة وخمسين سنة وبين معناها اليوم. احتياجات العائلة في الماضي لا تتعدى الأساسيات التي تبقي الإنسان على قيد الحياة. ماء وطعام وسقف وكسوة. لا يوجد فاتورة كهرباء ولا فاتورة تلفون ولا فاتورة انترنت ولا تأمين طبي ولا قسط سيارة. عندما تقرأ فتاوى حقوق المرأة التي أصدرها الأولون وتبناها الحفاظ والمقلدون في أيامنا هذه سترى أنها تنظم التكاليف الأساسية كما كانت قبل مئات السنين. (كسوة في الشتاء وقصعة أدام وحصير...)

كانت الحياة في الماضي صراعاً من أجل البقاء، أما حياة اليوم فهي كفاح من أجل السعادة والرفاه والتقدم.

*نقلا عن صحيفة "الرياض".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.