.
.
.
.

أمن النمل.. أم أمن الإنسان!

عبدالله العوضي

نشر في: آخر تحديث:

كُنت محاضراً في أكاديمية شرطة دبي لقرابة أحد عشر عاماً، أُدرّس فيها مادة علم الاجتماع الشرطي، وكانت تمس الحياة اليومية للإنسان الذي لا يريد أن يصبح ضحية للجريمة من أي نوع كانت ولو برفع الكف للضرب المبرح وغير المبرح. وقعت في يدي معلومة أمنية طريفة ومهمة في نفس الوقت بالنسبة للبلد الذي خرجت منها، وخلاصتها أن القيادة العامة للشرطة الألمانية أنشأت قسماً في هيكلها الإداري جديداً على رجال الأمن ذاتهم تحت مسمى «قسم أمن النمل». ضحك الطلاب المرشحون من هذه المعلومة، لأن أقسام الأمن في أجهزة الشرطة معروفة لدى العاملين في هذا القطاع، ولم يمر في تفكيرهم بأن للنمل حقاً قانونياً في العيش بأمان، وكان الحديث حول العوامل التي تجعل من أي مجتمع آمن في سربه، ودخل سرب النمل هكذا بلا مقدمات إلا لضرورة العلم الحديث في اتجاهات محاربة الجريمة والوقاية منها بأي وسيلة متاحة.

ما الذي يضمن أمن الإنسان في أي مجتمع على الدوام؟ إذا ما توفَّر لديه الأمن العام، الأمن الوظيفي، الأمن الاقتصادي، الأمن الاجتماعي، الأمن النفسي. خلاصة كل ذلك، أن أي إنسان متحرّك في أرجاء المجتمع الآمن في تلك المسارات الأمنية المتنوعة لن يشكو من البطالة ولا العطالة ولا ضيق ذات اليد، التي تمتد لدى البعض نحو ارتكاب جريمة السرقة ولو قطعة حلوى من أقرب بقالة، فلو توفرت تلك العوامل جملة واحدة لما وجد رجل الأمن من يخالفه أو يلقي القبض عليه، وقد كان ذلك في الماضي ويمكن أن يقع في الحاضر، عندما جلس عمر الفاروق رضي الله عنه للقضاء ولم يجد في عهده متخاصمين للفصل بينهما أو الحكم عليهما، وحصل ذلك في عهد حفيده عمر بن عبدالعزيز عندما لم يجد فقيراً يوزع عليه صدقات المسلمين، وحصل مثله اليوم في إحدى الدول الأوروبية عندما قرر رئيسها توزيع راتب «الشؤون الاجتماعية» على كل أفراد الشعب لمعرفة أثر ذلك على الأمن الاجتماعي للأفراد.

أعود إلى «النمل» الذي ضحك سليمان لقولها كما ضحك الطلبة في القاعة الدراسية عند سماعهم عن استحداث قسم أمن النمل «... قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ)، «سورة النمل: الآيات 18 - 19».

فالقرآن سبق الألمان بالحفاظ على هذه المخلوقات حتى عندما تتلاطم الجيوش في الحروب وتتداخل الحراب في أجساد الإنسان أشلاء، ومن ذلك عدم جواز حرق مملكة النمل من دون ضرورة ولا حاجة.

إنما جاءت ألمانيا لكي تفعل ما يتعلّق بالحفاظ على أمن النمل في مجتمعها لأسباب تتعلّق بقوت الناس وحياتهم الاقتصادية كيف؟ نذهب الآن إلى قصة أمن النمل الألماني، الذي استحدث لها قسم خاص بكل طواقمه الإدارية من الضباط والجنود والأفراد، هؤلاء وظيفتهم الرئيسة عدم السماح لسكان الغابات إيذاء نوع خاص من النمل وظيفتها المركزية الحفاظ على أمن الغابات من السقوط وإفسادها بالنخران ومنع إصابتها بهشاشة الجذور، ومن ثم الجذوع بسبب حشرة ضارة مختصة لأداء هذا الدور الهدّام للبيئة التي تنتج وتُدخل على الاقتصاد الألماني مليارات من اليوروهات التي قد تذهب هباءً منثوراً بسبب حشرة تبيد الغابات ولا يوقفها إلا هذا النمل الذي يعتبر هذه الحشرة ألذ طعام لديه في الغابة، فهي تأكلها لتحيا وتمنح البشر بذلك حياة اقتصادية أخرى، فعندما أدركت الحكومة الألمانية بعد أن راقبت السلوك العدواني لسكان هذه الغابات تجاه هذه النملة المفيدة للبشرية، قررت الحفاظ على أمنها للحفاظ بالتالي على أمن السكان الاقتصادي، إضافة إلى استدامة الغابات في عطائها للبشرية جمعاء.

وإذا قسنا قصّة هذه النملة الألمانية المدللة والمصانة من قبل رجال الأمن الأشاوس، عرفنا خطورة الأمن الداخلي للمجتمع في أولويات الحفاظ على منع وصول يَد تلك الحشرة الضارة إليه، وهو العامل الأوحد الذي يهدم أي بناء صلب في أي مجتمع يعد قوياً كقوّة النخلة على صد الرياح العاتية التي لا تستطيع إسقاطها، ولكن سوسة لا تُرى بالعين المجردة تنخر عظامها مع مرور السنين، فتسقط على الشارع العام، فتسد الطرقات، وقد تتسبب في حوادث قاتلة، وهي النخلة التي لم تستطع العوامل الخارجية من إحناء ظهرها، ولكن سوسة طائشة مدسوسة أودت بكل عوامل القوّة الذاتية في مكونات هذه النخلة التي تشبه الإنسان في كل شيء.

فهل ندرك حقيقة الإنسان الذي لا يمكن أن يصبح مجرماً إذا ما أرسى أي مجتمع في الكون دعائم الأمن فيما ذكرناه سالفاً وندعمها بما ورد عن رسول الإنسانية «من أصبح منكم آمناً في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها»، (رواه البخاري في الأدب المفرد والترمذي في السنن)، ومن ذاك القبيل القنفذ الذي يعيش على شجرة سامة إذا لم يجدها يموت، وقد دأب بعض المزارعين التخلص منها لخطورتها، فهل نصحو على مستقبل دولة في العالم تنشئ قسماً خاصاً لأمن القنفذ ومنع انقراضه ومعه الشجرة السامة؟! فهل النمل أحسن أم الإنسان أثمن؟!

*نقلاً عن "الاتحاد"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.