نوادي القراءة

فضيلة الفاروق
فضيلة الفاروق
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
دقيقتان للقراءة

أنتجت مواقع التواصل الاجتماعي الكثير من الثمار الجيدة، فقد كسرت الحواجز بين البشر، وصار العالم قرية صغيرة يسكنها الجميع، ووجد فيها الكثيرون باباً لرزقهم خاصة النساء الماكثات في البيوت، فعرضن أشغالهن اليدوية للبيع عن طريق الفيس بوك والأنستغرام، وأصبح ممكناً لهن أن يُعِلْن عائلاتهن دون أن يقصرن تجاه أبنائهن، فأصبح ممكناً التسويق للإكسسوارات اليدوية الصنع، والفساتين، والعباءات، والأطباق اليومية والحلويات، مع امتيازات كبرى من توفير للوقت، وإيجارات المحلات والضرائب.

ثقافياً انتعشت نوادي الكتاب عبر العالم العربي كله، فتحت صفحات لتبادل الكتب ومناقشتها، وقد تكفّل القارئ العادي بإرسال كتابه بعد قراءته لصديق آخر في بلد آخر إن لم يجده في صيغة «بي دي أف» على الإنترنت.. وأصبح تبادل الكتب والاستدلال على أماكن بيعها سهلاً للمشتركين في تلك النوادي الافتراضية.

جمعت هذه النوادي شمل القراء المشتتين عبر العالم العربي، وخففت من غبنهم، التقطتهم واحداً واحداً كمن يبحث عن حبات اللؤلؤ ويجمعها بعناية.

تأسست تلك النوادي عبر صفحات الفضاء الأزرق، وظلّ أصحابها ينشطون في أوقات استراحتهم الأسبوعية، ثم توسعت دوائر اكتشافهم لكتب جديدة ومكتبات كان الغبار يأكل رفوفها، شيئاً فشيئاً عظم شغف الاجتماع في أمكنة معينة لمناقشة الكتب المقروءة فتشكلت بذلك نوادٍ حقيقية لم تعد مجرد صفحات افتراضية تبتلعها شبكات الإنترنت ساعة تنطفئ الأجهزة.

أمكن للقارئ إذن بنقرة واحدة أن يجد مطلبه، ويكتشف قبيلة من الأصدقاء الذين يقاسمونه نفس الهوايات والشغف، فبعد دخول هذا الكائن الأزرق بيوتنا لم يعد الشخص غريباً في مجتمعه، ولا غريباً في بيته، فقد أصبح من الممكن تمزيق الشرنقة التي يعيش فيها والتحليق في البساتين التي حلم بها.

في بيروت التي سحقتها الحرب على مدى سبعة عشر عاماً، والتي تبعتها سنوات الصدمة والإنهاك ولملمة ركام تلك الحرب، تعثّرت الحياة الثقافية، فأغلقت مكتبات كثيرة ومقاهي ثقافية عريقة أبوابها، رحل أصحابها إلى مهن أخرى تطعمهم الخبز، إلى أن حلّ هذا العصر المبارك باختراعه الأزرق عليها، فأعاد تشكيل الطاقات الإبداعية فيها، ومنها تولّدت صفحات تُروِّج للكتاب وتعْمَد إلى توصيله إلى القارئ بالمجان، معتمدة قاعدة «إن لم يأت إليك القارئ فاذهب أنت إليه».. تنامت هذه المهنة الجديدة لتوصيل الكتب إلى البيوت، قبل أن تتحوّل بعض هذه الصفحات إلى حقيقة ملموسة مثل مكتبة «البوك أوتليت Book Oulet» التي فتحت أبوابها مؤخراً في شارع متفرع من شارع الحمرا، وأصبحت ملتقى لكل تلك الكائنات الافتراضية التي التقت حباً في الكتاب والقراءة، لكن الحدث الأجمل هي تلك الأحاديث الثقافية الرّاقية الثرية بالمعارف بعيداً عن تلك الضوضاء التي لوثت حياتنا قبل حلول هذا العصر المبارك.

**نقلاً عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط