.
.
.
.

مكماستر.. نصف صقر ونصف حمامة

ممدوح المهيني

نشر في: آخر تحديث:

ليس فقط المهارات والكفاءة والمواقف السياسية ما يحدد علاقة الرؤساء بأعضاء إدارتهم. كان ذلك واضحاً من علاقة تيلرسون الوزير المغادر برئيسه ترمب. صفر كيمياء بين الرجلين، واهتزت العلاقة بشتيمة علنية، وتهاوت مع عناد الموظف لرئيسه ومعارضته لمواقفه العلنية، ويقال إن تيلرسون كان يقول في الاجتماعات المغلقة مع نظرائه: "تجاهلوا تغريدات ترمب وتصريحاته. لا تعني شيئاً. خذوا بكلامي". اجتاز الخط المسموح، وطرده ترمب بتغريدة صباحية وهو متمدد على سريره. في خطاب وداع لموظفي الخارجية حذرهم تيلرسون من العاصمة واشنطن ووصفها بالمدينة ذات الروح اللئيمة، ووعظهم بأن يحافظوا على قيمهم مهما كانت الظروف. واضح من قصد بحديثه وبدا كرجل محطم دامع العينين ومثير للشفقة مع أن ثروته تتجاوز الـ 320 مليون دولار.

قصة ترمب مع مستشار الأمن القومي مكماستر أقل تراجيدية من تيلرسون ولكنها مشابهة. غياب القبول الشخصي وخلاف المواقف أنهياها سريعاً. بداية تعيين مكماستر كانت اضطرارية، حيث جاء بديلاً لمايكل فلن الذي أحبه ترمب شخصياً وأعجب بمزاجه الناري، وهو الذي ردد خلال الحملة الانتخابية جملة ترمب الشهيرة لهيلاري: "اسجنوها.. اسجنوها"، على خلفية قضية 30 ألف بريد ممسوح من إيميلها الشخصي. مكماستر كان مختلفاً عن فلن مزاجاً وشكلاً، الذي يبدو - كما وصفه أحد الصحافيين - بودي جارد متبجح في أحد بارات فيلادلفيا مسقط رأسه. ولكن ترمب لم يعجب بنهج مكماستر الأكاديمي وأسلوبه المدرسي في العرض، وتقديم عدد من الحلول والتصورات. ترمب الملول بطبعه أصيب بالضجر والسأم من اجتماعاته اليومية مع مكماستر التي تشبه المحاضرات. ترمب لا يحب الاجتماعات الطويلة، وعندما أراد وزير الدفاع ماتيس إقناعه بعدم جدوى التعذيب لاستخلاص الاعترافات من المدانين بتهم الإرهاب لم يلقِ عليه محاضرة، بل قال إن أقداحاً من البيرة والدخان سيكون لها تأثير أكبر. لم يوجد أي غراء نفسي يلصق الشخصيتين ببعض. ترمب بدا ممتعضاً من مستشاره للأمن القومي، وقال عنه مرة إنه جلف ومتعجرف. وبينما كان مكماستر مندمجاً بتقديم عرض أمامه أوقفه وقال مخاطباً الحاضرين: "انظروا إليه. يبدو شديد الجدية"، أي إنه متعالٍ ومعجب بنبرة صوته وهو يردد الكلمات الكبيرة. ولكن خلافات مكماستر المحاضر والمؤلف اختلفت مع ترمب حول عدد من القضايا الأساسية. مكماستر شديد على كوريا الشمالية ووسطي ضد إيران. طائر مهجن، نصفه صقر ونصفه حمامة، ومن الواضح أن هذا السبب الأساسي لتسريحه سريعاً، لأن ترمب بعد أكثر من عام في البيت الأبيض أصبح أكثر ثقة ومعرفة برؤيته، ولا يريد أي صوت نشاز ومخالف. مكماستر معارض لموقف رئيسه من الاتفاق النووي، وحجر عثرة أمام تصنيف الإخوان منظمة إرهابية، وجادل طويلاً ضد هذا الرأي. وقد قرأت له مصطلحاً جديداً اسمه "القوة الذكية" كبديل لمنطق القوة الناعمة والقوة الخشنة. ترمب لا يريد "السفسطات" الأكاديمية هذه، وأطلق سراح الحمائم. هو الآن لا يريد سوى الصقور المحلقة مثل بومبيو وبولتون تحوم في البيت الأبيض. مثل تيلرسون خرج مكماستر محطماً وقرر على الفور التقاعد بدل مواصلة العمل العسكري.

جاء الآن الدور على جون بولتون ليكون مستشار الأمن القومي الجديد. اختياره جاء كإعلان يوم القيامة على الإيرانيين واليساريين الذين يمقتونه بشدة لأسباب معروفة. على العكس من أسباب فصل تيلرسون ومكماستر جاء قرار تعيين بولتون الذي أحبه ترمب على المستوى الشخصي، وأعجب بتعليقاته على قناة الفوكس نيوز التي التقت في غالبيتها مع مزاج وأفكار ترمب باستثناء الشأن الروسي الذي يبدو فيه ترمب مهادناً وبولتون مهاجماً. وعلى العكس من مطولات مكماستر يطرح بولتون مواقفه الكبيرة بعبارات مختصرة وواضحة تعلق في الذاكرة. سخر مرة من الأمم المتحدة عندما قال إن هذه البناية الضخمة بـ38 طابقاً، لو أزيل منها 10 طوابق لن يتغير أي شيء.

بولتون ورغم الحملات الضارية المستمرة تجاهه يؤمن بأن الدبلوماسية غير نافعة ومضيعة للوقت إذا لم تسندها القوة، وهذه تقريباً نفس قناعة ترمب الذي هدد زعيم كوريا الشمالية بـ"النار التي لم يشهد لها العالم مثيلاً"، ما أثار عليه سخط معارضيه من أنه سيشعل حرباً عالمية جديدة، ولكن هذه اللغة هي التي جلبت كيم جونغ أونغ إلى طاولة المفاوضات لأول مرة. وبولتون كان مصيباً ومحقاً بعد الاتفاق النووي الإيراني حينما قال إنه يخر بالفجوات الهائلة التي ستمرر من خلالها طهران صواريخها الباليستية، وهذا ما حدث حرفياً. واختيار ترمب له وقبله بومبيو يؤكد أن ترمب في طريقه للانسحاب من الاتفاق النووي في الـ12 من مايو القادم، أو إعادة قيود وعقوبات صارمة ستخنق النظام الذي تتفق رؤوس الإدارة الأميركية الكبيرة جميعاً الآن ولأول مرة أنه مصدر الوباء والخطر الأكبر الذي يجب أن يعالج سريعاً.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.