.
.
.
.

بصمات الدوحة واتهام الآخرين

ممدوح المهيني

نشر في: آخر تحديث:

في شهر مايو من العام الماضي تم اختراق البريد الإلكتروني لسفير الإمارات في واشنطن، يوسف العتيبة، من قبل مجموعة قراصنة أسمت نفسها بـ"جلوبال ليكس" وقامت بإرسال الإيميلات لعدد من الصحف والمواقع الإخبارية كان أحدها موقع الديلي بيست المشهور. البصمات القطرية مطبوعة على كل العملية، أسلوبها وأهدافها وتناولها الإعلامي فيما بعد.

في الأسلوب، صرحت الجماعة بأنه ليس عملية قرصنة، وعلى طريقة الإنكار القطرية المعروفة، ادعت أنها حصلت عليها من جماعة ضغط في واشنطن. كذبة مكشوفة لأن كل الدلائل تشير إلى أنه تم الاختراق وتم تصوير الإيميلات بكاميرا رقمية. الأهداف قطرية أيضا تسعى إلى زرع الشقاق بين أبوظبي والرياض وكشف "فضائح" العتيبة على العلن وإظهار الإمارات بصورة الدولة المعادية للإسلام. أما التناول الإعلامي فتكفلت به وسائل الإعلام القطرية المعروفة والملثمة، حيث فتحت الهواء وبدأت حملات بروباغندا مبتذلة عن موضوع مختلق بالكامل.

النتائج من القرصنة والحملة جاءت عكسية ومخيبة لتوقعات الدوحة وقراصنتها المأجورين. لم يوجد في الإيميلات المسروقة ما يؤثر على العلاقة السعودية الإماراتية بل العكس. فضائح العتيبة المزعومة أظهرته بصورة رجل قوي وصاحب نفوذ وتأثير كبيرين في واشنطن، وكشفت الإيميلات المقرصنة أن الإمارات تحارب بتصميم حديدي الجماعات المتطرفة وتدعو للاعتدال وهذه دعاية إيجابية تُدفع لها مبالغ كبيرة في حملات "البي آر" ولكنها جاءت هذه المرة من الأموال القطرية.

فشلت الأهداف كلها وانتهت الحفلة سريعاً قبل أن تبدأ ولم نسمع بعدها بجماعة "جلوبال ليكس". ولكن عمليات القرصنة القطرية استمرت وكان آخرها اختراق إيميل اليوت برويدي أحد أبرز رموز حملة الرئيس الأميركي ترمب وكذلك إيميل زوجته، وسربت الوثائق المنهوبة إلى وسائل إعلام بينها صحيفة النيويورك تايمز.

البصمات القطرية موجودة مرة أخرى بكل مسرح الجريمة وكالعادة وضع القطريون وجها اسكندنافياً بريئاً وأعلنوا براءتهم. رفع عليهم برويدي دعوى قضائية وأعلن أنهم دفعوا ملايين الدولارات من أجل حملة تضليل وتشويه وتوعد أن يدفعهم الثمن. الهدف من اختراق إيميله هو الادعاء أن بريدوي كان له دور في التأثير على إدارة ترمب في تأييده مقاطعة الدول الأربع للدوحة بسبب دعمها للإرهاب. فشلت المحاولة مرة أخرى ورغم المحاولات الإعلامية في فبركة عواجل واختلاق أزمة متدحرجة ككرة الثلج، إلا أنها اختفت سريعا وبقيت فقط المحاكمة التي ستبدأ قريباً.

الدوحة لا تتوقف عند قصص القرصنة ولكن أيضا تسرب معلومات ملفقة تتلقفها وسائل إعلام أميركية كبيرة تعاني من ضعف المناعة نحو أي معلومة قد تطيح بالرئيس ترمب. من خلال هذه الفجوة هربت عشرات القصص الضعيفة وغير الموثوقة واستغل عملاء الدوحة هوس الميديا الليبرالية اليسارية بكره ترمب، فدلسوا عليهم بمعلومات غير دقيقة. آخر هذه القصص المفبركة هي المعلومات المسربة أن والد كوشنر تلقى في إبريل 2017 ما يقارب 500 مليون دولار من الحكومة القطرية ثمنا لصفقة عقارية. حدثت زوبعة صحافية وتبين فيما بعد أن القصة غير صحيحة. صحيح أن الأب التقى القطريين ولكنه رفض مقدماً أخذ أي دولار حتى لا تتعارض مع عمل ابنه في الإدارة. لكن القصة سربت لضرب مصداقية كوشنر وبث روح التآمر والشكوك في الأجواء. ومجدداً ورغم الجهود القطرية الحثيثة والمبالغ المدفوعة، لم تخرج الدوحة بأي فائدة من هذه القصة المختلقة. ولكن قصص التدليس والتلفيق كثيرة ونتذكر منها قصة صحيفة "الواشنطن بوست" التي نشرت تقريراً معتمداً على معلومات استخباراتية لم تعلن اسمها أن الإمارات كانت وراء القرصنة لوكالات الأنباء القطرية. واضح أن التسريبات قطرية ووقعت الصحيفة العريقة في أكثر من خطأ مهني بهذه القصة حيث لم تعتمد على مصادر واضحة على قصة كبيرة من هذا النوع. أين هذه القصة وتداعياتها الآن؟ ماذا حدث لها؟ هل أكدتها الصحيفة؟ هل عثرت على مصادر جديدة تؤكد موقفها؟ هل كشفت القناع عن المصادر القديمة؟ لن تعثر على أجوبة على كل هذه الأسئلة المهمة لوظللت ترددها يومياً أمام مدخل الصحيفة.

السعودية، كانت محط اتهامات خطيرة، من تسريبات قطرية وروجتها وسائل الإعلام القطرية بشكل مكثف، تتعلق بدعم الإرهاب والتورط بأحداث ١١ سبتمبر، وكتب الكثير عن الانفرادات الخاصة والـ 28 صفحة السرية التي تكشف تورطها، ولكن كلها تبين زيفها بعد ذلك. كثير من هذه الادعاءات اعتمدت على تقارير استخباراتية مثيرة للشكوك ولكنها انتهت إلى لا شيء حرفياً. هل انتهت هذه الاتهامات؟ وهل قدمت هذه الصحف رواية ثانية جديدة مصححة؟ بالطبع لا. لا شيء بل رددت نفس الاتهامات اعتماداً على التقارير السرية ذاتها.

رغم كل هذه التلفيقات والقرصنة والجرائم المعلوماتية المتواصلة، تدعي الدوحة أنها بريئة وتردد مظلوميتها أنها من قُرصن موقعها ووضع كلام على لسان أميرها، وهي من يمارس كل هذه الموبقات التي تليق بالعصابات والمليشيات والدول المارقة.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.