لست وحيداً في الكوكب
قصة حب عادية جمعت الشاب الإنجليزي «توني ويلر» بالإيرلندية «مورن»، حينما صادفها أول مرة على مقعد حديقة عامة بلندن العام 1970، خلال أشهر قليلة قررا الزواج، لكنهما عوضاً عن قضاء شهر عسل تقليدي حيث السفر إلى وجهة سياحية والسكن في فنادق فاخرة؛ حزما أمرهما بخوض تجربة سفر غير تقليدية أبداً وبالذات للمتزوجين حديثاً!
على خطى رحلة بعثة «أكسفورد» و»كامبريدج» للشرق الأقصى العام 1955؛ انطلق الزوجان «ويلر» يتتبعان تلك المغامرة التي خاضها ستة طلاب من الجامعتين، بداية من حديقة الهايد بارك وحتى سنغافورة، وهكذا تركا كل شيء وراءهما، خرجا بكامل مدخراتهما في رحلة جامحة، وعلى سيارتهما المتهالكة قطعا أوروبا من غربها حتى شرقها، ثم عبرا قارة آسيا نحو الشرق الأقصى، لم يتوقفا إلا حينما وصلا إلى ملبرون في إستراليا، وهناك استقر الزوجان وخلال بضعة أشهر صرفا كل ما بقي معهما من مال، ليضطرا للعمل في مهن مختلفة، بل وحتى تلقي الإعانة في بعض الأيام.
في إحدى الليالي جلسا على طاولة مطبخهما المتواضع يدونان ذكرياتهما التي لا تنسى وخبراتهما التي اكتسباها عبر رحلتهما الطويلة والشاقة، ثم تطور الأمر لتدوين انطباعهما وآرائهما عن المواقع والمعالم التي زاراها، وشيء من الإرشادات والنصائح المناسبة لكل بلد، ثم جمعا المادة في كتيب صغير أسمياه: «عبر آسيا بتكلفة زهيدة». لقي كتبهما إقبالاً غير متوقع، إذ باعا منه ألف وخمسمائة نسخة في أسبوعه الأول! وسرعان ما أصدرا كتيبات متتالية عن دول أوروبية وأسيوية زاراها، وليقررا إنشاء شركة متخصصة في الأدلة السياحية المعتمدة على تجربة المستخدم، أطلقا عليها اسم: «كوكب وحيد»، وهو اسم اشتق خطأً من أغنية للمغني البريطاني «جو كوكر». ولكن على أية حال كان الاسم معبراً عن كون الترحال فرصة لمحاربة الوحدة وكسب أصدقاء جدد.
كوكبها الوحيد لم يكن ناجحاً منذ البداية ولم يدر عليها الأموال الطائلة، لكن عشقهما لروح السفر ومتعة المغامرة جعلهما يستمران في نشر ثقافة التخطيط للسفر وتحسين تجربة السياحة، حتى لو اضطر «توني» للعمل لإعالة أسرته، إلى أن صدر دليلهما عن «الهند» العام 1980، حينما تضاعف حجم الشركة، وأضحت أهم مصدر لأدلة السفر والسياحة، يعمل بها أسطول محترف من الرحالة والجغرافيين والمصورين، أبدعوا ما يزيد عن 500 دليل بلغات متعددة، وفي قوالب مختلفة من كتب وبرامج تلفزيونية ومجلات وتطبيقات إلكترونية.
توج نجاحهما قبل عشر سنوات حينما استحوذت هيئة الإذعة البريطانية على ثلاثة أرباع أسهم «كوكب وحيد» بما يوازي 190 مليون دولار، ثم لاحقاً استكملت الملكية المطلقة للشركة.
بالتأكيد إن الزوجين «ويلر» لم يحلما أن مغامرتها الجرئية سوف تقودهما إلى نشر أدلة شجعت ولاتزال تشجع الملايين على الترحال واكتشاف العالم، غير أنهما كانا يأملان ألاّ يبقى أحدٌ وحيداً على هذا الكوكب وهذا يحدث اليوم.
*نقلاً عن "الرياض"