لمَ التركيز على النصف الفارغ؟!
ينتابني حنين غريب، وقد تسقط دموع عينيّ، كلما رأيت طفلاً ربما يحبو أو يخطو خطواته الأولى في هذه الدنيا، أو ربما يلعب ويلهو وكأن الدنيا ملكه. ولا أستطيع أن أمنع نفسي من الرجوع سنوات إلى الوراء لتذكر كيف كان أولادي يتصرفون في مثل ذلك العمر! فحركات وتصرفات الأطفال واحدة مع اختلاف الأجيال، إلا أن ما يشد انتباهي هو ردات فعلي أنا تجاه تلك التصرفات وقتها...! فالانشغال طيلة الوقت بالعمل والمنزل وزحمة الحياة والطلبات والأعباء والمهام التي يجب إتمامها (على أكمل وجه دون أدنى تقصير) جعلني ربما أفقد متعة الاستمتاع بتلك الأيام...! فكنت دائما أنظر للجانب السلبي من الأمر وأهمل الجانب الإيجابي، وهو "الاستمتاع باللحظة". لم أكن أفكر أبدا أن تلك "اللحظة" لن تتكرر لأنه ببساطة، العمر يجري بنا إلى الأمام دون توقف أو رجوع.
وفي خضم ما أشعر به هذه الأيام من حنين، أراه غريباً، أسأل نفسي: ماذا لو عاد بي الزمن إلى الوراء وعادت تلك الأيام؟ أكنتُ سأتصرف على النحو ذاته؟ هل كنت سأركز كل اهتمامي على نصف الكوب الفارغ وأترك النصف الملآن كما فعلت في الماضي؟ أم أنني كنت سأستغل كل لحظة جميلة لأستمتع بها؟
بالطبع كلنا نعرف الإجابة على تلك الأسئلة، لكن للأسف إدراكنا لها يأتي متأخرا كثيرا بعد أن تمضي تلك الأيام، وينضج الأبناء، حيث يبدأ كل منهم يخطو خطواته الأولى مع الحياة العملية، ويبدأ كل واحد منهم في شق طريقه بنفسه بعيداً عن حضن الأهل.
وقتها فقط نبدأ في إدراك أهمية أن نعيش اللحظة في وقتها ولا ندعها تمضي وتهرب من بين أيدينا دون رجوع!
ففي كل جوانب حياتنا هناك دائما نصف مليء ونصف فارغ من الكوب... فلندع النصف الفارغ لحاله، ونركز بكل طاقتنا على النصف المليء، وذلك بغرض الاستمتاع بالحياة.
بالفعل الحقيقة المؤكدة هي أن الحياة لا تنتظر أحدا.. فلم التأجيل؟ فلو استمررنا في نفس النهج وهو الانشغال بالتحضير والتجهيز لكي نبدأ في الاستمتاع بالحياة، للأسف سيكون الوقت قد فات!
فإذا توفر المال، فلن نجد الصحة... وإذا توفرت الصحة فلن نجد الرفيق... وإذا توفر الرفيق فربما لن يمهلنا العمر الوقت الكافي للاستمتاع بالحياة بصحبته.
بالتأكيد النصف المليء من الكوب أفضل بكثير من النصف الفارغ، فلا يجب أن ندع أي لحظة سعيدة تمر من حياتنا دون أن نحياها بكل ما فيها من فرح وبهجة ومتعة... هي حياة واحدة فلنعشها ونستمتع بإيجابياتها ونتغاضى عن سلبياتها.