.
.
.
.

حراس النعال

حسين علي حسين

نشر في: آخر تحديث:

عندما أدخل إلى المسجد النبوي الشريف كنت أضع حذائي تحت إبطي، أدعو وأتجول وهو في حرز مكين، لا يمسه سوء أو تمتد إليه يد مختلس أو تائه عن حذائه إذا جاء وقت الصلاة وضعته أمامي، وهنالك أناس منظمون يضع الواحد في جيبه كيساً بلاستيكياً أو جراباً أنيقاً من القماش، يضع فيه حذاءه حال دخوله لأحد المساجد، أما من يضع حذاءه في مدخل المساجد أو أحد الصناديق المصفوفة خارجاً فإنه لن يضمن بقاء الحذاء في مكانه. ولا تخطئ العين بعض زوار المساجد وهم يمشون حفاة إلى المنزل أو أقرب مكان لبيع الأحذية، وفي بعض المساجد هنالك حراس مخصصون يحرسون حذاءك بمبلغ غير محدد تدفعه راضياً وربما أعطاك هذا الحارس قطعة معدنية أو ورقية برقم الفتحة أو الدرج الذي سوف يضع فيه حذاءك!

وعندما كنت في مدرسة العلوم الشرعية المحاذية للمسجد النبوي الشريف، كنا نخرج مع أذان الظهر ومعنا شيخنا، يحمل أحدنا حذاءه وحذاء الشيخ وكلنا نصطف هناك مقابل الروضة الشريفة نصلي ثم نخرج ومعنا أحذيتنا، فالحراس عادة مهمتهم حفظ أحذية علية القوم، هؤلاء الذين يدخلون المسجد وقد حجز مكانهم وصفت أحذيتهم وحملت سجاجيدهم، كل هذه العناية كانت تقدم مقابل هدية أو عيدية تقدم في المناسبات ليالي العيد، أول رمضان، النصف من شعبان.

ما يلفت النظر أن سرقة أحذية زوار المساجد كانت قديمة، بينما كنا نظن أن الأزمان السابقة لم يكن يتمتع أهلها بالأناقة والرفاهية، للحد الذي يجعلهم يلبسون أحذية تحتاج عناية أو حراسة، ومن ذلك ما أمر أو أوصى به السلطان الأشرف شعبان، وهو من الممالك البحرية، فقد أمر في وصية حررت في الثالث من جمادي الآخرة، العام 777هـ، بتوزيع ربع أوقافه على الحرمين الشريفين، ومن له صلة بهما من الأئمة والمؤذنين والسقائين وغيرهم، في صورة مخصصات سنوية تتناسب ومكانة كل عامل في هذين البلدين. لكن ما لفت نظري في هذه الوصية تخصيصه لعادة سنوية مقدارها 800 درهم، لحراس النعل في المسجد النبوي الشريف وعددهم أربعة حراس بواقع 200درهم لكل حارس من حراس أبواب المسجد النبوي الشريف الأربعة، في ذلك الحين، وهو ما يعني تفشي سرقة أحذية زوار المساجد من ذلك الوقت، للحد الذي يتم فيه تخصيص حراس لهذا الغرض، الغريب أن هذا المخصص لم يشمل حراس النعال في المسجد الحرام (أوقاف السلطان الأشرف شعبان علي الحرمين راشد سعد القحطاني، مطبوعات مكتبة الملك فهد الوطنية العام 1414هـ - 1994م) حتى وقت قريب.

والمدينة المنورة ربما تكون المدينة الوحيدة التي يحرص أهلها على نزع أحذيتهم قبل الدخول للمساجد والمكتبات العامة والمنازل، احتراماً للمكان وأهله، حتى راكب الحمار كان إذا مر من أمام قوم جلوس، نزل عن حماره، والمرأة إذا مرت من أمام الرجال، نزعت شبشبها أو حذاءها، الآن هناك من يدخل المسجد منتعلاً حذاءه وربما يصلي فيه بحذائه.


*نقلاً عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.