.
.
.
.

فضيلة الفاروق

نشر في: آخر تحديث:

هكذا قال ابن رشد: «الجهل يؤدي إلى الخوف، الخوف يؤدي إلى الكراهية، والكراهية تؤدي إلى العنف، هذه هي المعادلة»، والمقولة قديمة قدم ابن رشد، لا مايكل مور قالها ولا إنشتاين كما تخبرنا بعض المواقع الإلكترونية الحديثة!

منذ تلك الأيام ينقاد الإنسان بسبب مخاوفه، وهي البوصلة الوحيدة التي تعمل في قلب جوارحه وتوجه مساره، وكلما اتّسعت دائرة معارفه قلّت تلك المخاوف، وهدأت الإبرة التي تنكزه ليركض قدماً، وكلما زاد جهله سيطر عليه سلوكه البدائي، ولن يثق حينها إلاّ في سلاحه.

إن فكرت أن الأرض مسطحة وأنها مثبتة على قرن ثور كما اعتقدت أجيال في الماضي السحيق، فإنّك ستعيش الرعب الأبدي من أن يتحرك الثور ويقلب الصفيحة التي تعيش فوقها على رأسك، لكن مجرد معرفتك أن الأرض كروية وأننا ملتصقون بها بسبب الجاذبية يجعل الأمر إعجازاً ربانياً نستسلم له واثقين أننا بين أيدي الرحمان، وثمة فرق شاسع طبعاً بين ارتباط المعلومة بمعطيات خرافية أو بأخرى علمية.

تحملك المعرفة إلى عوالم أخرى وكأنها تخلّصك من كل قيودك، أنت لا شيء بركام جهلك الجاثم على رأسك مثل قبعة أبدية، أنت نكرة، نقطة في بحر، ذرة لا معنى لها في مجرّة تعج بالحياة..

يمكنك أن تعيش مثقلاً بأعباء جهلك، فيرتبط مصيرك بما يقرره الآخرون لك، وقد تكون جاهلاً بقوة حين تكتفي بوجبة خفيفة من المعلومات التي تقتات بها من هنا وهناك، قد تكون مجرّد طفيلي يتغذى على فتات أطباق الآخرين، والمعرفة ليست هذه، إنها طبقك الخاص، الكامل، الشهي، الذي تحضره بإبداعك الخاص وتنسق مكوناته حسب استيعابك الشامل لها..

لا شيء يأتي من فراغ، أو بكبسة زر، لقد كانت المعرفة إبنة التجربة، وضُمَّت في الكتب لأنها لا تُقَّدر بثمن، فالتجربة عصارة عمر وجهد وتفكير، وإن كان التفكير يسهل تشغيل ماكيناته حسب الطلب، فإن العمر إن انقضى لا يعود، ولهذا يقول المثل العربي: «إسأل مجرِّباً ولا تسأل طبيباً»، فمعرفة تجربة الآخر هي بالضبط ما تختصره الحكمة الثمينة القائلة: «الوقاية خير من العلاج».. المعرفة لا تأتي ونحن جلوسا تحت الشجرة، ولا من التفاحة التي تسقط جزافاً، إنّها تأتي من العقل المتقد بالأسئلة، أمّا الشجرة، أمّا التفاحة فمجرّد أسباب عَرَضِية، كان يمكنها أن تتغير، كان يمكن للتفاحة أن تكون قبعة طيّرتها الريح، أو طائراً أصابه صياد.. وحينها سيعلن نيوتن عن النتائج نفسها وفي زمن مختلف سيكتب ميلان كونديرا روايته «الجهل» بنفس الأسلوب، وبعصارة تجاربه التي لقنتها له حروب الإنسان وصراعاته من أجل الحصول على السلطة..

هذه هي المعطيات.. هذه هي المعادلة..!

*نقلا عن صحيفة "الرياض".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.