.
.
.
.

«عربيّات» لجاك بيرك: الجذور الغاضبة لمستعرب دؤوب

ابراهيم العريس

نشر في: آخر تحديث:

طوال مسيرته ألف المستعرب الفرنسي جاك بيرك وترجم العديد من الكتب، وكتب عشرات البحوث والدراسات، التي لم تجمع بعد في كتب. ومن أشهر كتبه: «الغرب من الأمس إلى الغد»، «العرب»، «الشرق ثانياً»، «الاسلام أمام التحدي»، «الإسلام في زمن العالم»، «المغرب بين حربين»، «مصر: الامبريالية والثورة»، «المغرب: التاريخ والمجتمع»، «من الفرات إلى الأطلس». وقد روى أجزاء أساسية من سيرة حياته في كتابين على الأقل: كتاب «عربيّات» (1978) الذي هو عبارة عن حوار مطول معه، وكتاب «مذكرات الضفتين» الذي أتى أشبه بسيرة ذاتية له (1989). بعد ذلك أصدرت منشورات «سندباد» الباريسية كتاباً بعنوان «ضفاف وصحارى» يضم مجموعة دراسات أكاديمية كتبها عدد من الباحثين والمفكرين العرب والأجانب تكريماً لجاك بيرك، لمناسبة عيد ميلاده الثمانين. هذا عن مسار حياته أما في مجال الحديث عن فكر بيرك، فإن في الإمكان استخلاصه من مجمل هذه الكتب ولكن خصة من الحوار الطويل كم من كتاب سيرته.

وبيرك يحدد دوافعه الأولى التي قادته إلى الاهتمام بالشعوب العربية قائلاً: «في ذلك الحين، -أي عند بداياته - كان يهيمن علم أعراقٍ يستمد جذوره من المدرسة المنتمية إلى الباحث جيمس فريزر، علم اعراق يرى الطقوس السحرية قائمة في كل مكان، تغمر حياة «تلك الأقوام». ولم يكن هذا كله سوى وسيلة للتعبير عن تفوق المراقب على الشعب الخاضع للمراقبة، ورفض كل تاريخية يمكن عزوها إلى الشعوب المدروسة. أما أنا فإن هذه التاريخية هي، بالتحديد، ما كنت أريد إعادتها إلى تلك الشعوب...». وربما كانت شهادة جاك بيرك هذه، وتعود إلى عام 1989، خير تعبير عن جذور الاختيارات التي قادت خطاه طوال مساره العملي والحياتي. فحين يقول بيرك «في ذلك الحين»، يقصد سنواته العلمية الأولى في جبال الاطلس المغربية، حيث أبعدته السلطة الكولونيالية الفرنسية التي لم تستسغ بعيد الحرب العالمية الثانية رفضه إجراءات فوقية كانت تريد ممارستها. ولم تدرك السلطات، أنّها بنفيها ذلك الباحث الشاب الى أبعد نقطة ممكنة، الى جبال الاطلس، كانت تحدّد مصيره، وتمهّد أمامه الطريق ليصبح من خيرة دارسي المناطق العربية والشعوب «المستبعدة». فاختلاط بيرك بأهل جبال الاطلس، وقيامه بمشاركتهم الحياة اليومية، هو الذي قاده لاحقاً، الى الاهتمام بالشعوب العربية، ليصبح خلال النصف الثاني من القرن العشرين، واحداً من المراجع الاساسية في حضارة وتاريخ وحاضر تلك الشعوب، وواحداً من أبرز العلماء الغربيين الذين عملوا طوال حياتهم على اكتشاف وإعادة اكتشاف الجذور الروحية التي تحرك حياة تلك الشعوب: الجذور الإسلامية.

من هنا لم يكن غريباً من جاك بيرك ان يرفض، لقب المستشرق وألا يقبل، إلا على مضض، ان يلقب بـ»المستعرب»، لأنه كان يرى أن اختياراته الاساسية يجب أن تخرج عن اطار التصنيف الأكاديمي. كان يحلو له أن يشرح شغفه العلمي كالتالي: «كل ما في الأمر، أنني وقعت يوماً في هوى منطقة وشعوبها وتاريخها، فانكببت على دراستها، من دون أي رغبة مسبقة في أن أكون يوماً مستشرقاً، أو مستعرباً بالمعنى المهني للكلمة». وإذ سُئل كيف يحبّ أن يصنّف أجاب «أنا بالأحرى مناضل في سبيل التقريب بين الضفتين، بين فرنسا والعالم العربي، وفي سبيل افهام قرائي، الفرنسيين منهم خصوصاً، ما هي حقيقة الاسلام، بعيداً من الكليشيهات والتعصب والأفكار الجاهزة».

والحال أن بيرك أمضى جل سنوات حياته، كما يروي في «عربيات»، وهو يخوض ذلك النضال الذي اختاره لنفسه ذات يوم في صباه، متأثراً بوالده. كان الأخير من أعيان الادارة الكولونيالية في شمال افريقيا، لكنّ ذلك لم يمنعه من انتقاد سياسة بلاده ازاء الشعوب الواقعة تحت سيطرتها. وإذا بابنه يكرّس جل كتاباته، هو الآخر، للتعريف بتلك الشعوب وللعمل على رسم مساراتها التاريخية. ولم يكن من قبيل المصادفة إذاً أن يجمع بيرك ذكرياته وتجاربه وتاريخه الشخصي في الكتابين المتأخرين اللذين شرح فيهما كل شيء. هو الذي لم يمنعه حبه للاسلام وتبجيله للحضارة العربية والاسلامية من أن يظل كاثوليكياً، كما أن تعلقه بالعرب لم يمنعه من ان يظل فرنسياً حتى النهاية.

ومن المؤكد أن هذا الانفتاح على الآخر، مع التمسك بالجذور، ساهم في ذلك القسط الكبير من الاحترام الذي حظي به جاك بيرك لدى النخب العربية المثقفة، ولدى العديد من المسؤولين العرب الذين كانوا يستقبلونه بالترحاب، ويستمعون الى آرائه واقتراحاته بود واهتمام، بدءاً بالرئيس عبدالناصر الذي كان يحفظ له مكانة خاصة. «لو أن المسؤولين الفرنسيين أعاروني انتباههم كما فعل العدد الأكبر من صانعي القرار العرب - قال بيرك في هذا الصدد - لأمكننا أن نتجنب سوء التفاهم الذي نشأ بين الامتين في حالات كثيرة». والواقع أن بيرك وكما يقول في «عربيات»، كان يرى أن فرنسا مسؤولة إلى حد كبير عن تزايد حدة سوء التفاهم هذه، بسبب ممارساتها الكولونيالية: من حرب الجزائر والعدوان الثلاثي، وصولاً الى حرب الخليج والحرب اللبنانية. والمحطّتان الأخيرتان حرّكتا لديه القدر الأكبر من الغضب. فحرب الخليج قرّبته من وزير الدفاع السابق جان- بيار شوفانمان. أما الحرب الأهلية في لبنان، فجعلته يكتب ذات يوم من 1990 في صحيفة «ليبراسيون»، والمعارك عند ذروتها في بلد الأرز، مقالة بعنوان «لبنان، تاريخ جريمة». «إن دموع أولئك الذين يتباكون اليوم على لبنان، كتب بيرك، تصل متأخرة بعض الشيء». وأشار بإصبع الاتهام إلى الاعتقاد السائد في فرنسا، والذي لا يرى في ذاك البلد «أكثر من غيتو مسيحي قائم وسط أرض مسلمة». إن الواقع رهيب جداً، واقع ان فرنسا لم تعد تفهم لبنان برأيه، «ونحن، معشر الفرنسيين، تخلينا عنه ثانية عام 1982، حين غزاه جيش مناحيم بيغن الذي كنس جيوش الأمم المتحدة وقصف بيروت كلها فكانت أول عاصمة عربية يتم احتلالها. يومذاك اكتفينا بالاحتجاجات اللفظية وبالمعونات الإنسانية التي كانت محترمة بالتأكيد، لكنها كانت مجرّدة من أي وزن سياسي على الإطلاق».

والرجل الذي يعطي ما سبق فكرة عن المواقف والتصريحات التي تميّز بها على الدوام، عرف كيف يضفي على جهده العلمي بعداً جديداً، لا علاقة له من قريب أو من بعيد، بالفكر الاستشراقي. بالنسبة إلى جاك بيرك، لم تعد هناك حاجة ملحّة إلى ذلك النوع من الباحثين الذين يكتفون بالجلوس داخل مكاتبهم ومختبراتهم لدراسة الشعوب «المتخلفة» بالميكروسكوب والمنظار المكبر، وطرح استنتاجاتهم وآرائهم بحيادية تغيظ. فإمّا أن يكون الاهتمام والدراسة نابعين من شغف أو لا يكونان. وذاك الشغف طبع عمل بيرك على الدوام، نقع عليه منذ الكتاب الأول الذي وضعه من منفاه في «الداخل المغربي» بعنوان «البنى الاجتماعية في الأطلس الأعلى» الذي أثار ضجّة كبيرة لدى صدوره في باريس مطلع عام 1955، وصولاً إلى العمل الذي كان منكباً عليه لدى وفاته وهو ترجمة «السنّة النبوية». وكان يتوخى من هذه الترجمة، بالدرجة الأولى، استكمال «محاولته في ترجمة معاني القرآن» الصادرة في فرنسا قبل سنوات. كما انّه كان يطمح إلى تعريف القارئ الفرنسي- والغربي عموماً- بجانب غني وأساسي من التراث الاسلامي.

بين دراسته للبنى الاجتماعية في الأطلس وعمله على ترجمة السنّة النبوية، أصدر جاك بيرك أكثر من ثلاثين كتاباً، معظمها يعتبر اليوم مرجعاً في ميدانه: من «العرب بين الأمس واليوم» إلى «الإسلام في زمن العالم»، ومن دراسته الفذة «عن المواثيق الرعوية لدى بني مسكين» (1936) الذي يعتبر مؤلّفه العلمي الأول إلى «علماء، مؤسّسون وثوار في المغرب» الذي كان واحداً من كتبه المهمة الأخيرة، ومن تحقيقه لـ «نوازل» الوزاني (1944)، إلى ترجمته لكتاب «الأغاني» خلال السنوات الأخيرة من حياته، ومن كتابه المهمّ «مصر، الامبريالية والثورة» (1967) إلى جزءي كتابه «من الفرات إلى الاطلس» (1978)...

كل هذه الأعمال وغيرها وضعها جاك بيرك انطلاقاً من رصيد ميداني وإلمام بالواقع الذي يتحدث عنه. غير أن اللافت في مسيرته هو، وكما يفيدنا هو شخصياً في «عربيات»، أنه بدأ راصداً ميدانياً لأحوال المغرب والمشرق، لينتهي إلى الانكباب على التاريخ الزاهي للحضارة الإسلامية. كأن تقدمه في السن قاده إلى التوغل عميقاً في الزمن، أو كأنه يئس من وصول العرب والمسلمين إلى حقوقهم في الغرب من طريق إثارة حماسته، فآلى على نفسه أن يغوص في ماضيهم مستكشفاً لحظاته الكبرى أي اللحظات التي كان فيها العرب والمسلمون متصّدرين للحضارة البشرية.

نقلاً عن "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.