أعداء ترمب يحملونه للبيت الأبيض مرة أخرى

ممدوح المهيني
ممدوح المهيني
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
5 دقائق للقراءة

قبل أسابيع من نشر كتابه "نار وغضب"، قال الصحافي الأميركي مايكل وولف بأن المعلومات الواردة مرعبة لدرجة أنها ستطرد ترمب من البيت الأبيض ذليلاً. اتضح بعد أن نشر الكتاب وتصفحه النقاد بأنها وعود من سراب، لم تضر حتى طباخ الرئيس الأميركي.

هل كان وولف كاذباً أو محتالاً؟ من الصعب إطلاق الأحكام الأخلاقية بسهولة على الآخرين خصوصاً إن كانوا يسعون لترويج بضاعتهم. في المعيار التجاري، يمكن القول إن وولف كان أذكى من الجميع. زاد من الملح والبهارات من أجل تسويق كتابه الذي باع منه لحد الآن أكثر من مليوني نسخة.

ولكن من ناحية سياسية فقد قوى الكتاب ترمب بدل أن يضعفه لأنه أثبت لمناصريه الحجج التي يرددها دائماً وهي أن هناك مؤامرة يحيكها خصومه من النخبة السياسية والإعلامية التي تمقته وتسعى للإطاحة به وبالتالي القضاء على مشروع "أميركا أولاً". لن تتورع هذه "النخبة الفاسدة" عن استخدام كل القصص الدنيئة، مثل القول إن ترمب شخص ماجن لا يتردد في إغواء زوجات أصدقائه، كما ذكر وولف في كتابه.

محاولة وولف فشلت سياسياً وربحت مالياً وجاءت تجربة أخرى مماثلة من جيمس كومي مدير مكتب التحقيقات الفيدرالية الذي طرده ترمب بعد 10 أشهر فقط محدثاً عاصفة سياسية كبرى في واشنطن. قام كومي بنشر كتاب جديد عن ترمب يحكي عن الأوقات المشحونة التي قضاها تحت إدارته. وكومي المحب لهيلاري والكاره لترمب كان- بشكل غير مقصود- أحد أسباب فوزه في الانتخابات عندما ارتكب حماقة كبرى كان هدفه منها دعم المرشحة الديمقراطية. فقد قرر كومي قبل أسابيع من الانتخابات أن يفتح تحقيقا عن إيميلات هيلاري كلينتون الممسوحة، ما أثار حينها سخطاً واسعاً من الديمقراطيين لأنه سيزرع الشك في قلوب الناخبين ويثبت صورة هيلاري خارقة القوانين والتي طالب ترمب بسجنها في الزنزانة لذات القضية. ولكن في الكتاب كشف كومي أن نيته كانت ديمقراطية حسنة لأنه كان مقتنعاً بفوز هيلاري في الانتخابات وأراد تنظيف سجلها بشكل كامل قبل أن تصبح رئيسة لأنه قد تحدث حينها أزمة دستورية لو لم يفعل ذلك.

شكك كثيرون برأيه معتبرين أن عشقه الهائل للأضواء لم يجعله يقاوم رغبته بأن يكون في وسط المسرح وبطل العرض الأوحد وهذا ما كان، حيث ظهر بقامته الفارعة مثل جيمس بوند يتخطى الجموع للشهادة أمام الكونغرس. مازالت هيلاري ممرورة من موقفه، ولكن كومي قرر أخيراً التطهر ونشر الكتاب الذي سيعاقب فيه ترمب بعد أن فشل في المرة الأولى. هذه المحاولة أخطأت الهدف مرة أخرى ورغم الأضواء الكبيرة التي سلطت على الكتاب إلا أنه من شبه المستحيل أن يضر بترمب إن لم يفعل العكس. تحدث كومي بنبرة وعظية، وقال إن ترمب ليس مناسباً أخلاقيا للرئاسة ولكن الأخلاق لا علاقة لها بكون الشخص رئيسا جيدا أم لا. الرئيس فرانكلين روزفلت كانت لديه مغامرات نسائية ولم تمنعه من أن يعد الرئيس الأعظم في التاريخ الأميركي الحديث. وذات الشيء مع الرئيس كينيدي وكلينتون حيث لا يمكن أن يمنحا درجة مقبول في معيار الأخلاق. وأوباما زوج رومانسي مخلص وأب صالح ولكن من الصعب وضعه في قائمة الزعماء التاريخيين. استراتيجية هجومية خاطئة لأن الوعظ الأخلاقي لن يؤثر على مناصري ترمب الذين يعرفون عن علاقته بستورمي دانييلز حتى لو أنكرها مرارا، وهو الجمهور الذي قال عنه ترمب لو رآه يطلق النار على شخص في الشارع، فسيظل يصوت له. إذا غفر مناصروه جريمة قتل لن يهمهم بالتالي لو نام مع ممثلة إباحية! يدرك ترمب وغيره من السياسيين أن الجماهير تتغاضى عن الهفوات والعيوب الأخلاقية إذا كان الزعيم يعدهم بفرودس اقتصادي مفقود، ففي وقت الأزمات، المال هو كل شيء. وقد أدرك ترمب ذلك بسهولة أكثر من خصومه وردد بوقاحة على كل الزعماء تقريباً الذين التقى بهم من المكسيك وحتى ألمانيا بأن عليكم الدفع لنا مثلما كنا ندفع لكم في الماضي. هذا الخطاب موجه لقاعدته الانتخابية ومن أجل أن يقدم عن نفسه صورة مغايرة عن أسلافه المضحوك عليهم، كما يردد.

كومي أيضا أخفق في التثبت من وقائع مهمة، ما وضع مصداقيته على مهب الريح. كان هناك تقرير انتشر في وقت الانتخابات وأكد على علاقة ترمب بروسيا وأنه قضى ليلة حمراء مع حسناوات روسيات ونشرته بعض وسائل الإعلام. اتضح أن التقرير مزور بالكامل وفي حوار تحقيقي مع قناة "فوكس نيوز" ظهر كومي بصورة سيئة. الجميع يعرف أن الديمقراطيين هم من كانوا وراء التقرير المفبرك إلا مدير التحقيقات الفيدرالية الذي بدا متعجباً من هذه المعلومة البسيطة. وعند سؤاله إذا كان سيستمر في العمل تحت إدارة ترمب لو لم يطرده، أجاب كومي بالإيجاب، ما أثار شكوكاً بأنه يهدف لمصلحته الشخصية أكثر من أي شيء آخر.

يقول نقاده، لو كان صاحب موقف ومبدأ، لقرر الاستقالة والابتعاد. وأكثر من هذا تسريبه لمذكرات قال إنه مررها لصديقه وهو بروفسور في القانون في جامعة كولومبيا اتضح بعد ذلك أنه حظي منه بمعاملة خاصة حينما كان على رأس عمله، جعلته أشبه بالموظف الذي يملك الحق في الدخول في أكثر مكان حساس. فشل كومي بتسديد طعنة قاتلة لترمب ومرة أخرى أخفق سياسيا وربح مالياً حيث باع من كتابه 600 ألف نسخة في أقل من أسبوع.

يقال إن ترمب شخص محظوظ ويقع دائماً على قدميه، ولكن جزءاً كبيراً من ذلك يعود لخصومه المنفعلين الناقمين الذين يدسون في يده خناجر ليغرسها بظهورهم. بأعداء مثل وولف وكومي وباقتصاد مرتفع وبطالة منخفضة وكم جونغ أون بلا مخالب نووية، فإن أربع سنوات أخرى لترمب في البيت الأبيض ستكون مسألة شبه مؤكدة.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط