الغربة وسنينها!

عبير طايل

نشر في: آخر تحديث:

لن يشعر بما يجيش في صدري إلا من تغرَّب عن بلده وغاب عن أهله وأصحابه وجيرانه لسنين طويلة.

فالتغرب يشعرك وكأنك تحمل ثقلاً كبيراً على كتفك وتسير به طيلة الوقت غير مدرك أين ومتى ستضع هذا الثقل! إنه ثقل راكمته سنون طويلة من الغربة عن الوطن والأحباب.

ومع مرور سنين طويلة من البعد تبدأ بالشعور بغربة من نوع آخر... إنها غربة الروح... غربة النفس... غربة تلازمك حتى وأنت بين أهلك وأحبابك، وكأنها أصبحت جزءا من تكوينك النفسي. تشعر وكأنك ممزق بين هنا وهناك. ذكرياتك وطفولتك البريئة تشدك من طرف إلى الجذور وإلى أجمل أيام العمر، بينما الطرف الآخر تشده سنو عمرك أيضا ولكنها سنو عمل وجهد وركض لتحقيق الهدف... فكلا الطرفين ما هو إلا حياتك وسنو عمرك التي لن تعود مجددا. فلأي طرفي الحبل ستنجذب وتميل؟

طرف توقف عنده الزمن حين اتخذت القرار وحملت حقائبك وتركت وطنك سعيا وراء لقمة العيش وأملا في حياة أفضل... بالفعل بداخلك توقف الزمن عند هذا اليوم... أما الطرف الآخر فقد التقط الحبل دون أن تشعر أنت... فإذا بك تدخل وتُحاصر في دائرة لا نهائية من العمل والاجتهاد ومحاولة إثبات نفسك أملا في تحسين مستوى معيشتك والتطلع لأشياء ومقتنيات لطالما كانت مجرد أحلام في أيام طفولتك وشبابك.

وبعد مرور السنين تجد نفسك تحمل هذه الأحلام والمقتنيات الثمينة وتعود بها إلى وطنك "زائرا" فقط، لمدة محددة ولمرة واحدة في السنة... وكل مرة تعود تعكف على البحث عن الأشياء التي تركتها حين توقف الزمن بك... وكأنك تقول "أين أشيائي؟ أين ذكرياتي؟"

فهل فعلا حققت أحلامك؟ هل تستطيع الاستمتاع الآن؟

بل عند العودة للوطن تبدأ بالشعور بالغربة، لكن غربة أشد قساوة.. لأنها غربة في حضن الوطن وبين الأهل والأصدقاء والأحباب. فهم يتعاملون معك وكأنك الزائر الذي يأتيهم مرة كل عام.. فأنت تأتي لتمضي إجازة سعيدة بعيدا عن هموم العمل، فأنت لم تعش الأيام الصعبة أو الأفراح أو الأحزان التي مروا بها طوال العام!

أما الوطن فبطبيعة الحال يتغير مع مرور السنين، فلا شيء يبقى على حاله! سواء التغير للأحسن أو الأسوأ... هذه ليست القضية... بل التغيير في حد ذاته الذي يثقل عليك بأحاسيس الغربة أكثر فأكثر داخل الوطن... غربة قد تصل بك إلى حد التوهان في الشوارع والدروب، وكأنه بلد غريب عليك وتزوره سائحا لأول مرة... !

فإذا بك تتخذ القرار مجدداً بالعودة إلى الغربة التي اخترتها بنفسك ولنفسك... بعيدا عن غربة الوطن التي فرضت عليك... تغلق نوافذ منزلك بإحكام وكأنك تخاف أن يفر ما تبقى من الذكريات للخارج، وتودع الأهل والأحباب، وتلملم ذكرياتك وسنين عمرك داخل الحقائب وترحل لتدخل بإرادتك داخل الدائرة اللامتناهية وتنشغل بالعمل والجد والاجتهاد على أمل العودة لأرض الوطن ولحضن الأحباب بعد عام من الآن... عل وعسى أن تعود لتجد الأمور مثلما تركتها قبل سنين مضت... لكن هيهات!!

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.