.
.
.
.

جودة الحياة.. السعودية غداً

يحيى الأمير

نشر في: آخر تحديث:

الآن نحن أقوى لمواجهة الحقائق التالية: «الحياة في السعودية هانئة وكريمة لكنها ليست ممتعة ولا جاذبة، إنها حياة المساكن والسيارات والمطاعم والأجهزة الإلكترونية الحديثة ولكنها ليست الحياة الجاذبة الممتعة المليئة بالخيارات والسعة والتنوع».

حدث هذا نتيجة تراكم في القيم التي جعلت من المقومات الأساسية للحياة كل الحياة؛ نحن نأكل كثيرا ونقيم الولائم الكبيرة ونسكن في مساكن واسعة ونركب سيارات فخمة ورغم ذلك تهيمن على حياتنا نمطية خانقة ذلك أن الاستمتاع كثقافة حياتية لم يأخذ حيزه في الحياة السعودية، ولذلك أصبحنا نتوسع في الضروريات وحولناها لتصبح هي المتعة؛ كان ذلك محور أزمة ثقافية اجتماعية صحية وسلوكية أيضا.

المظهر العام للحياة مظهر مدني لكن النمط اليومي لحياة الأفراد والعائلات ليس كذلك، لقد اتسعت دائرة المحاذير وبكل واقعية انحازت كثير من المؤسسات الرسمية لتلك المحاذير ولم تكن محايدة وأخذت هي أيضا بمفهوم توفير الضروري والتوسع فيه بغض النظر عن تنوعه وجودته، التعليم مثلا متوافر لكنه غير ممتع ولا جاذب، وعليه يمكن قياس الكثير.

غاب التنوع وتراجعت الخيارات وأصبحت اللحظات الممتعة عند السعوديين مرتبطة بالسفر، وأصبحنا نتعامل مع بلادنا كأنها ماكينة صراف آلي نجمع من خلالها المال طيلة العام ثم ننطلق في أنحاء العالم بحثا عن اللحظات الممتعة وبناء الذكريات الجميلة.

خطورة هذا الأمر لا تكمن في بعده الاقتصادي بل في أبعاد أوسع وأشمل منها البعد الوطني أيضا، إن ولاء الأفراد لأوطانهم يرتبط بالحياة الجميلة الممتعة، ويرتبط بكون ذكرياتهم الأسمى في أوطانهم وليست خارجها.

استوعبنا اليوم خطورة كل ذلك، وأدركنا أن جودة الحياة يجب أن تمثل مشروعا وطنيا متكاملا لا يمكن الحياد عنه إذا أردنا بناء المواطنة والمدنية بصفتها المقوم الطبيعي والأهم لدولة حديثة متنوعة.

مشروع (جودة الحياة) الذي أطلقه مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية هو التجسيد الفعلي للتخلص من كل تلك الأخطاء التي تواطأنا عليها لسنين طويلة، واتجاه نحو بناء الحياة الممتعة الواعية المدنية.

الفنون والثقافة والخيارات المتنوعة في كل شيء هي أبرز أدوات الحياة الممتعة، وفي كل العالم المتمدن يمثل الشارع حالة إمتاعية وحيوية بما يحويه من إيقاع وتنوع وفنون.

الحياة الممتعة ذات الجودة العالية تؤثر أيضا في جعل المقيمين أكثر ولاء وعطاء للأرض التي يعيشون فيها، عوضا عن كونهم يشعرون أن حياتهم مؤقتة وأن رابطهم الوحيد هو الكسب وجمع المال ومن ثم العودة لأوطانهم ليعيشوا حياة جيدة ممتعة.

خلافا لكل المشروعات الجديدة التي تشهدها السعودية يمكن اعتبار (جودة الحياة) أكثر من مجرد مشروع؛ إنه طريقة حياة أمثل وأكثر ارتباطا بالمستقبل والوطنية والتنمية والاعتدال، بل يمثل إعادة صياغة لعلاقة الأفراد بوطنهم وحياتهم لتكون حياة صادقة وطبيعية.

لقد أدت هيمنة النمط الواحد إلى واقع جعل الأفراد أقل ولاء وعطاء لأرضهم وسيتحرك ذلك النمط بشيء من الممانعة ليواجه هذا المستقبل العظيم القادم.

اليوم نحن أمام مهمة كبرى تتمثل في الإعلاء من شأن الحريات وبناء خطاب ثقافي وفقهي مواز يجعل الأفراد أكثر اعتزازا بخياراتهم وآرائهم وأكثر امتنانا لحياتهم وصولا إلى واقع طبيعي تصبح فيه أجمل ذكريات السعوديين في وطنهم وليست في خارجه.

* نقلا عن "عكاظ"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.