مقدم من القلب
بمحض الصدفة كان مروري بذاك المقهى القريب من الأوبرا حيث لفتت نظري ديكوراته المختزلة بحداثة وبإشراقة من الأخضر والبرتقالي المحمص. بهجة للمكان دعتني للدخول، تقف في طابور لاختيار طلباتك من الوجبات الخفيفة والمعجنات الفرنسية المطورة.. الخدمة بطيئة بعض الشيء لكن لا تلبث أن تنتبه للعاملين هناك سواء الفتاة الواقفة للمحاسبة أو النادل الذي يوزع الطلبات.
شيء في الملامح يقول بمالا مجال للشك أن الجميع هناك من أصحاب الإعاقات العقلية وبالذات التوحد، ومع ذلك يقومون بمهام الخدمة بدقة وتكرس عجيب، تعطيك المحاسبة مكعباً ملوناً مع تعليمات بوضعه على طاولتك ليتمكن النادل من مطابقته مع مكعب بنفس اللون يضعه الطاهي في الصينية، أي أن النادل يستدل على صاحب الطلب بمطابقة ألوان المكعبات، القهوة والحلويات وحتى السلطات مدهشة وبمذاق حداثي مميز. تنتبه للشعار المكتوب على واجهة المقهى (مقدم من القلب)، واسم المقهى المتركز على الفرح، وبالبحث عن أصول هذه التجربة الإنسانية الفريدة يقول مؤسسها:
«بدأ كل شيء حين كنت في رحلة على مركب وجاءني هذا الشاب المعاق وقال لي: هل لديك وظيفة لي؟ هذا السؤال مسني عميقاً وحرك إحساسي بالمسؤولية تجاه هذه الفئة من ذوي الاحتياجات الخاصة لاسيما وأن 10 % فقط من المعوقين بفرنسا يظفرون بوظائف بينما 90 % عاطلة ومحرومة من فرص جيدة للمساهمة كأفراد فاعلين في المجتمع. ولقد خطر لي تأسيس هذا المقهى للوجبات الخفيفة وقمت بإجراء مقابلات شخصية مع عدد كبير من المعوقين لاختيار الفئة التي قمت بتوظيفها، نجحت في افتتاح المقهى الأول في مدينة رين والثاني هنا في باريس، حيث كل العاملين من المعوقين ابتداءً من الطباخ والمحاسبين والنادل، وذلك تحت إشراف أسوياء من العمال ذوي الخبرة الطويلة، يتدخلون عند الحاجة لضمان سلاسة الأداء وتذليل أي اضطراب محتمل، وحتى الآن نجد إقبالاً منقطع النظير من جمهور يقدم الدعم والتشجيع.»
وبالفعل فإن مايجذبك للمكان هو الجو المشع بالمحبة والتقبل للاختلاف المرموز له بالحذاء كل فردة بلون، الاختلاف الداعي للتفاعل قلباً لقلب، جمهور لايطلب الكمال من فريق عامل يقدم مايفوق قدراته، إنها
فرصة للحياة لأولئك الذين صاروا تقريباً كالآخرين، إنها تجربة تُحتَذَى حيث يلتفت القادرون لمن هم أقل قدرة ويمنحونهم دوراً فعالاً في الحياة، حياة غالباً ما تكون قصيرة حيث لا يعمر بعض أصحاب الاحتياجات الخاصة لأكثر من 40 - 50 سنة. تنظر لوجه تلك الفتاة المحاسبة بجديتها وضحكتها البريئة كطفلة، تنصت للنادل يقدم لك قهوتك بكلمة شكر ضخمة مرفقة بلمحة قلب «نتمنى لك يوماً سعيداً».
هذا ويحظى المقهى بزيارة المشاهير مثل السيدة الأولى بريجيت ماكرون ووزير البيئة نيكولا إيلو.
إنها المسؤولية الإنسانية تجاه الإنسانية عامة لايُعْفَى منها أحد.
* نقلا عن "الرياض"