معلومة خطيرة لم يتسنّ لي التأكد..

عمران القفيني
عمران القفيني
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
دقيقتان للقراءة

عن ماذا يكتب المتعَبون؟ خير لهم أن لا يكتبوا.. وإن فعلوا فليكن كلامهم بعيداً عن القديسين، حتى وإن كان القديسون على حافة قبورهم أو مقبورين.. ليبحث المتعب عن أزمة غير مقدسة يُشبعها لطماً.

وأنا لا أقوى إلا على ذم الصحافة والصحافيين. هذه إمكاناتي في اللطم.

عندما تعثر الشرطة على جثة وحول العنق حبل تقول إنها تحقق في ملابسات الوفاة.. إلا الصحافيون فإنهم يقولون: انتحار فلان ابن فلان ابن فلانة.

أكتب هذا وأنا أقضي ثلثي يومي أعجن الأخبار وأخبزها.. ولا أرى في النت إلا ما يسم البدن سماً من انحدار المهنة وتسرع العاملين بها أو جهلهم.

.. وأتحسر. كانت الصحافة صحافة. وكان الخبر خبراً.

أول ما اشتغلت بالصحافة وقعت في هذا الفخ وحكمت على جثة بأنها منتحرة، فقفز من مكتبه المجاور صحافي كبير (في السن طبعاً) وقال لي: هل انتهت الشرطة من التحقيق؟ وفهمت الدرس. وأقول للصحافيين هذه الأيام الجملة نفسها.

هل هذه مشكلة الانحدار الصحافي الوحيدة؟

لا.. لكنني أطالع الأخبار المتعلقة بمذبحة الرحاب في مصر وأتأمل. العناوين في الموقع الواحد متناقضة ولا تكاد تخرج منها بمعلومة مفيدة.

وأقول "الموقع" لأن الدنيا ماشية باتجاه النت، لا باتجاه الورق.

ولأنه موقع؛ يجب أن تكون هناك سرعة، ويجب أن يكون هناك عنوان فاقع، ويجب أن تكون هناك معلومة خطيرة لم يتسن للموقع التأكد منها.

مطلوب من الصحافي أن يجتهد في الحصول على المعلومة وهي "في شدوق الأراقم" بتعبير الشاعر، أي أنها صعبة كأنها في فم أفعى، ومطلوب أن يقول إنه لم يتأكد من معلومة.. لكن أن يكون الخبر مبنياً على معلومة "لم يتسنَّ التأكد منها" فهذه إحدى آيات الانحدار.

في رمضان، يتهافت الصحافيون على نشر الوصفات السحرية أكثر من باقي الشهور. وصفات لتخفيف الوزن وأخرى لزيادته وثالثة في مديح البقدونس ورابعة في هجاء الكيوي. بالمناسبة: الحمد لله أني لم أجد أخباراً تذم القهوة.

على أنني قرأت عشرات الموضوعات الصحافية عن القهوة ومعظمها يتحدث عن 3 فناجين يومياً لتحيا حياة طيبة. آية الانحدار أنني لم أعثر على مادة فيها حجم الفنجان الذي يتحدثون عنه، والفناجين علم واسع، ولا نوع القهوة - وأعرف منها مثلاً 7 أنواع - هل هي إسبرسو أم موكا (من مدينة المخا اليمنية) أم تركية أم عربية؟ أكيد أن لكل واحدة خصائص مختلفة! وأقول: القهوة تشرب اعتباطاً.

إذا كان رمضان فراقه عيد، فلأنني سأتخلص من وصفات كل ولا تأكل.. على وزن قل ولا تقل.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط