.
.
.
.

اللغات العنكبوتية

فهد عامر الأحمدي

نشر في: آخر تحديث:

يُقـدَّر عدد لغات العالم بستة آلاف لغة، توجد 32 في المئة منها في آسيا، و30 في المئة في أفريقيا، و19 في المئة في المحيط الهادي، و15 في المئة في الأمريكتين، و4 في المئة في أوروبا..
والحقيقة أن كثيرا من هذه اللغات إما أنها اختفت وإما في طريقها إلى الاختفاء (وللمزيد راجع مقال: انقراض من نوع مختلف)..
وللتخفيف من حدة التلاشي، صرحت شركة جوجل (قبل سبعة أعوام) بأنها تعمل من خلال مشروع على توثيق 3500 لغة مهددة أسمته «اللغات المهددة بالانقراض»، مشيرة إلى أنه عملية متواصلة قد تمتد عقودا طويلة مقبلة..
ورغم خطورة هذه الظاهرة يختلف حال اللغات (وترتيبها أيضا) حين ننتقل إلى ساحة الإنترنت.. فبحسب إحصائيات يوليو الماضي من بين الستة آلاف لغة بشرية هناك 500 لغة فقط في فضاء الإنترنت.. تتصدر الإنجليزية الجميع بـ 51 في المئة، تليها الروسية بـ 6.7 في المئة، ثم اليابانية فالألمانية فالإسبانية فالفرنسية والبرتغالية.. أما العربية فتأتي في المركز السادس عشر، ولا يتجاوز نصيبها من محتوى الإنترنت سوى 0.8 في المئة (رغم أن عدد العرب يعادل 5 في المئة من سكان العالم، ويزيد على هولندا التي تحتل المركز الـ13 بسبعة عشر ضعفا)!!
نعود إلى عالم الواقع، ونشير إلى أن الشرط الأساسي لنشوء اللغات الجديدة هو توافر قدر من (الانفصال) الجغرافي والحضاري يسمح باستقلالية وتبلور لغة جديدة ومختلفة. وهذا يعني (من جهة مقابلة) أن التواصل بين شعوب العالم (يقلص عدد اللغات)؛ بسبب تمازجها وانصهارها والاقتباس من بعضها بعضًا.. وخلال تاريخ البشرية لم يحدث أن تمازجت اللغات بالسرعة التي تحصل هذه الأيام. فنحن نتقدم بسرعة نحو بلورة لغة عالمية موحدة بفضل العولمة وانفتاح الفضاء وسهولة السفر..
والإنترنت بالذات تلعب حاليا دورا مهما وخطيرا في ظاهرة التقلص اللغوي.. ففي عالمها الافتراضي تتمازج لغات العالم بسرعة لم تحدث من قبل. فمستخدمو الشبكة حول العالم يأتون من 175 جنسية، ويبتكرون يوميا ما يسهل التواصل بينهم.. أصبحت الشبكة العنكبوتية ساحة لتكسير اللغات وتحطيمها، ثم إعادة صياغتها وتركيبها بما يسهل عملية التواصل بين مختلف الجنسيات، بـل يمكن القول إن الإنترنت أضافت إلى حياتنا وسائل جديدة في التعبير، تتميز بعالمية الانتشار، يفهمها الجميع دون عناء.. فالرموز الكرتونية التي اخترعها اليابانيون (كالوجه العابس والضاحك)، والشخصيات الافتراضية (التي نشاهدها في المواقع الإخبارية خصوصا) ولغات البرمجة المشتركة والبروتوكولات الموحدة.. جميعها أساليب لغوية جديدة لإيصال الفكرة والمعلومة، تتجاوز لغات العالم المنطوقة والمتعددة!!
وكل هذه الفعاليات حولت الإنترنت نفسها إلى لغة عنكبوتية جديدة، لا يمكن لأي لغة تقليدية التصادم معها، وبقدر تمددها وفرضها نفسها، ستسهم في القضاء على اللغات الصغيرة، وتجعل الكبيرة غارقة في المحلية ومكبلة بالأقدمية!!

نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.