.
.
.
.

الشيرازيون ورحلة البحث عن التميز المعرفي - 4

حسن المصطفى

نشر في: آخر تحديث:

قبل نحو نصف قرن، زار الشيخ سعيد أبو المكارم، أحد أشهر خطباء المنبر الحسيني في السعودية، وممن يمتلكون واحدة من أهم المكتبات الشخصية الثرية بالمخطوطات في المنطقة الشرقية، زار مدينة كربلاء العراقية، حيث مرقد الإمام الحسين بن علي. وكما جرت العادة، ذهب للسلام على المرجعيات الدينية وأساتذة الحوزة العلمية، وكان من بينهم آية الله السيد محمد الشيرازي.

من آداب العلماء أنهم عندما تقصدهم شخصية من خارج المدينة، يردون لها التحية بمثلها. وهو ما حصل. حيث جاء السيد الشيرازي بمعية عدد من الأفاضل لزيارة الشيخ أبو المكارم في مكان إقامته، وأهداه مجموعة من الكتب.

الشغف بالكتاب

كان السيد محمد الشيرازي عندما يأتيه أحد الزوار وبمعيته كتاب، يستأذنه في الاطلاع على ما يحمله. وإذا وجد أن هذا الكتاب لم يقرأه، أو أثار اهتمامه، يطلب استعارته ليوم واحد، ويعيده إليه في اليوم التالي.

الاهتمام بالكتاب، بدأ في وقت باكر لدى السيد الشيرازي، وهو ما نقله إلى مريديه والتنظيمات التي انضوت تحت مرجعيته، كما يروي الشيخ أحمد الكاتب، مبينا أنه ومنذ ستينيات القرن المنصرم، تصاعد اهتمام "التيار الرسالي" بالكتابة والنشر. إلا أنه يعيب عليهم أنهم كانوا "سطحيين"، و"يفتقدون إلى العمق العلمي". والسبب برأيه "عدم الدقة العالية في البحث، والاكتفاء بالثقافة العامة". وهو الأمر الذي جعل تلك الكتابات رغم تميزها وأسبقيتها على كثير من الحركات الإسلامية في تلك الحقبة، جعلها مع مرور الزمن تفقد جاذبيتها لدى الباحثين المهتمين بالتجربة الإسلامية، لأنها لم تطور آليات تفكيرها، ولم تواكب المستجد من علوم وفلسفات وقضايا علمية حديثة.

التمايز الفكري

حسينية "الزهراء" بمنطقة السيدة زينب، بريف دمشق، والتي كانت تابعة لـ"الحركة الإصلاحية" بزعامة الشيخ حسن الصفار، قبل عودته إلى السعودية، احتوت على مكتبة في طابقها الثاني، ضمت العديد من الكتب المهمة، في مختلف الحقول، دون أن تقتصر على الإصدارات الإسلامية وحسب. بل تجد فيها كتبا لأدباء ومفكرين قوميين وعلمانيين ويساريين، وهو ما جعلها عامل جذب لزائرها، رغم صغر حجمها.

الشيخ حبيب آل جميع، أحد المشرفين على المكتبة، كنت ألتقيه هناك، حيث نجلس نتبادل الأفكار، أو نطالع الكتب، قبل أن نكمل أحاديثنا في ليالي "السيدة زينب"، والتي كانت تشهد نقاشات غير تقليدية مع عدد من الأصدقاء وطلبة العلوم الدينية، دون قيود أو ترهيب.

الشيخ آل جميع كان يأتي إلى العاصمة اللبنانية بيروت باستمرار، حيث يتولى مسؤوليات ثقافية زاولها منذ العام 1993، تتعلق بطباعة كتب عدد من رموز "الحركة الإصلاحية"، ومتابعة المجلات الثقافية التابعة لها.

دور نشر مثل "الساقي"، "رياض الريس"، "المركز الثقافي العربي"، "الانتشار العربي"، "المحجة البيضاء".. وسواها الكثير، كان يزورها آل جميع، ما جعله يكوّن صداقات مع ناشرين ومثقفين وصحافيين من مختلف الاتجاهات الفكرية والسياسية. وبقدر ما كانت علاقات شخصية، إلا أنها تعبر في ذات الوقت عن "تمايز ثقافي" و"انفتاح فكري" لدى التيار الشيرازي "الجزيري" – نسبة إلى الجزيرة العربية - جعل لديه رؤية خاصة، ووعياً بأهمية الثقافة والقراءة النقدية للأفكار، سبق فيها سواه من التنظيمات التابعة لمرجعية السيد محمد الشيرازي، وإن كان انعكاسها على التيار الواسع من الجمهور بقي محدودا على مستوى نقد الخطاب الديني، إلا أنه برز بشكل أكثر وضوحا في الانفتاح الاجتماعي والثقافي العام.

من هنا نلحظ أن عددا من أهم المجلات الفكرية التي أثرت الساحة الإسلامية، كان القائمون عليها سعوديين شيعة، حاولوا كما يقول مشاركون فيها "تقديم خطاب ثقافي جديد منفتح وغير منغلق مذهبياً، يتواصل مع الآخر ويحاوره، ويعزز قيم التعددية واحترام الاختلاف بين المكونات المذهبية والفكرية".

أهم الإصدارات

تمثل المجلات الفكرية والفقهية، واحدة من علامات التطور المعرفي لدى شريحة من علماء الدين والمثقفين المنتمين إلى التيار الشيرازي، أو المنشقين عنه، وإن كانت بعض هذه الإصدارات بقيت ضمن دائرة "الفكر الإسلامي"، ولم تتجاوزه إلى اجتراح أو تبني خطاب مدني ليبرالي، إلا أنها ساهمت في دفع حركة التساؤل خطوة نحو الأمام.

مجلات عدة، البعض منها ما زال مستمراً، في حين توقفت أخرى، هنا أبرزها:

1. مجلة "الكلمة". فصليةٌ، عددها الأول كان في خريف العام 1993. يشرف عليها مثقفان سعوديان بارزان: زكي الميلاد (رئيس التحرير)، ومحمد محفوظ (مدير التحرير). تعنى بالقضايا الفكرية وتطوير الخطاب الإسلامي.
صدر منها حتى الآن 98 عددا، وبذلك تكون المجلة دخلت في العشرية الثالثة من عمرها، دون توقف أو انقطاع.
"انطلقنا حين تأسيس المجلة من مجموعة أفكار رئيسية، ولعل من أهمها أن هناك شعورا في عموم المجتمعات العربية، أن مجتمعات الخليج ليس بمقدورها العلمي إصدار مجلة فكرية"، يقول محمد محفوظ في حديث خاص لـ"العربية"، مضيفا "إلا أننا أثبتنا من خلال هذه التجربة أن نخب الخليج كغيرها من النخب العربية، قادرة على إصدار مجلة متميزة".

المحفوظ يعتقد أن "المنطقة العربية بعد حرب تحرير الكويت دخلت في مرحلة جديدة، تتطلب نشاطا ثقافيا مؤسسيا قادراً على بلورة بدائل فكرية، تركز قيم الحوار والتسامح في المنطقة العربية". مبينا أن "مشروع المجلة يستهدف تنمية قبول الاختلاف والتعددية. واستطاعت المجلة خلال عشرين سنة متواصلة من تثبيت ذلك". وهذا الأمر دفع لأن تكون الهيئة الاستشارية لـ"الكلمة" من مذاهب وتيارات فكرية مختلفة، كما أن الكتاب من دول إسلامية عدة، ومشارب قد تتضارب في أفكارها أحيانا، مثل: رضوان السيد، حسن حنفي، محمد سبيلا، طه عبد الرحمن، عبد الهادي الفضلي، محمد فتحي عثمان.. وهو الأمر الذي "يجعلك تجد لدينا قراء في الخليج ولبنان وسوريا والأردن والمغرب ومصر، وسواها من البلدان العربية"، بحسب المحفوظ.

2. مجلة "الواحة". فصليةٌ، صدرت العام 1995، ورأس تحريرها د.حمزة الحسن، الذي لم يواصل في المشروع بعيد خلافات سياسية مع الشيخ حسن الصفار، ومغادرته السعودية إلى المملكة المتحدة، ليتولى رئاسة تحريرها محمد النمر.

المجلة التي كانت تهتم بتراث وتاريخ المنطقة الشرقية خاصة، والسعودية والخليج عامة، توقفت في العام 2015، بعد أن صدر منها 66 عدداً.

3. مجلة "الساحل". فصليةٌ، صدر عددها الأول في شتاء 2007. يرأس تحريرها الشيخ حبيب آل جميع.
37 عدداً أنتج فريق تحرير "الساحل" حتى الآن، تناولت قضايا تاريخية وتراثية وأدبية، تركز على نتاج المنطقة الشرقية والخليج.

رئيس تحريرها، وفي حديث خاص لـ"العربية"، أوضح أن "هنالك عدم معرفة لدى الجيل الجديد في الخليج العربي بتاريخ وتراث منطقته، ما يجعل الشباب والفتيات يفقدون جزءاً من ذاكرتهم، وكأنهم ولدوا منبتين دون سياق ثقافي واجتماعي كوّنه الآباء والأجداد"، وهو الأمر الذي شجع على إصدار "مجلة تعنى بتاريخ مهمش ومقصي وغير معتنى به"، لتأتي وفق رأيه "مكملة لمشهد التنوع الثقافي في السعودية الجديدة، التي نريد تقديمها للقارئ والمثقف بما لديها من تاريخ وتجارب، وليس بلداً لا يجيد سوى إنتاج النفط، كما يسوق بعض أصحاب النظرة الفوقية".

يشدد آل جميع على أن "الساحل ليست إصداراً مناطقياً، فكتّابها من مناطق المملكة المختلفة، وتقدم تاريخاً غير منحاز لفئة، لأن جزءاً من وظيفتنا هو تعزيز مفهوم البحث العلمي البعيد عن فكرة المحاصصة الثقافية أو المذهبية".

4. مجلة "الفقاهة". فصليةٌ، صدر عددها الأول في شتاء 2006، ورأس تحريرها الشيخ جعفر البناوي، من مدينة العوامية، شرق السعودية.

اهتمت بالموضوعات الفقهية، وتطوير الأحكام الشرعية، بحيث تتناسب ومستجدات العصر الحديث. إلا أنها توقفت العام 2014، بعد أن صدر منها 30 عدداً.

5. مجلة "البصائر". فصليةٌ، صدر عددها الأول في إبريل 1984، عن "مركز الدراسات والبحوث الإسلامية" في "حوزة الإمام القائم" بالعاصمة الإيرانية طهران.

اهتمت المجلة بالقضايا الثقافية والفكرية الإسلامية، وكانت تمثل إطاراً معرفياً لأفكار تيار آية الله السيد محد تقي المدرسي.

تعاقب على رئاسة تحريرها عدة أشخاص: السيد عباس المدرسي، الشيخ إبراهيم الميلاد، الشيخ زكريا الداود، السيد جعفر العلوي.

المجلة التي رأس تحريرها 3 شخصيات من السعوديين الشيعة، حمل آخر عدد منها رقم 51، حيث توقفت العام 2015، وهو التوقف النهائي، بحيث سبق أن توقفت مؤقتاً لفترة من الزمن.

6. مجلة "النبأ". فكريةٌ شهرية، صدر عددها الأول عام 1995، وممن رأس تحريرها مرتضى معاش، علي عبد الرضا الرميثي.

المجلة التي لم تستمر في الصدور ورقيا، وتحولت إلى موقع إلكتروني منذ سنوات، مهتم بنشر المقالات والتحاليل المتنوعة، ورصد الأخبار، تعبر عن الإطار الفكري والثقافي لمرجعية الراحل السيد محمد الشيرازي، وتهتم بالموضوعات الثقافية والأخلاقية العامة.

الإصدارات الفكرية سالفة الذكر، رغم نجاح بعضها وإخفاق الأخرى، في مسيرة تسعى لأن تتمايز فكرياً عن التيارات الدينية والمرجعية المنافسة، إلا أن أغلب تلك المجلات قد توقفت، خصوصاً أن كثيرا منها ظلت محدودة في أفكارها، أو لم تستطع أن تجترح خطابا حديثا يقدم تصورا للدين والحياة يقنع الجيل الجديد. إضافة لأن الثقافة الشعبوية لرجال الدين التقليديين بقيت أقوى تأثيرا على عامة الجمهور من الأفكار التي طرحها القيمون على تلك المجلات. وهو الأمر الذي دفع بعديد من الناشطين في التيار الشيرازي إلى التوجه إلى استخدام التقنية الحديثة، وتحديداً "الفضائيات" في تقديم أفكارهم، وهو ما ستناقشه الحلقة القادمة، عن سبب تنامي الفضائيات الدينية التي يشرف عليها "الشيرازيون"، ومدى تأثيرها على الجمهور العام من المسلمين الشيعة.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.