.
.
.
.

حول قيادة المرأة مسار التغيير المجتمعي

فهد سليمان الشقيران

نشر في: آخر تحديث:

الاحتفال الذي عاشته المرأة في السعودية بالشوارع والساحات والميادين لم يكن من أجل قرار قبض امرأةٍ على المقود، بقدر ما فيه من إعادة اعتبار لمكانة المرأة بالمجتمع، والانتصار لحقّها ولخياراتها، أعلم أن نسبة قيادة المرأة للسيارة ستكون قليلة خلال السنوات القادمة، ولكن الأهم إتاحة الخيار لها ومنحها الحقّ ووضعها بحال مساواةٍ مع الرجل في الحقوق والواجبات.

والقرار مهم للجميع بالسعودية لأنه يوحي بشجاعة القائد والسياسي وقوته في اتخاذ القرار، وهذا يذكّرنا بمفاصل تاريخية لولا شجاعة السياسي فيها لدفع المجتمع تثمناً باهظاً وأضرب مثلاً بقرار الملك فيصل بتعليم المرأة عام 1955، وحين هبّت موجة معارضة للمشروع يمّم بعضهم شطر الرياض راغبين في مقابلة الملك حينها، وبعد أن أولم لهم من ينوبه أرسل إليهم الملك فيصل عبر معاونيه رسالة حازمة: «لا تغيب الشمس وواحد منكم في الرياض»، ثم أدبروا جميعاً راجعين منصاعين لولي الأمر.
على طول التاريخ لا يمكن للتغيير أن يصنعه المثقف، كما أن الداعية لا يمكنه صد التغيير، كلا الدورين ممتنع، والمشاريع الكبرى لولا الرعايات السياسية والتشجيع الرسمي لم تتم الإصلاحات الكبرى ولم تنجح، فالسلطان القوي، والحاكم المقدام يستطيع سوس الناس وإقناعهم بالمصالح التي يجهلونها، والمجتمع السعودي لا يزال غضّاً رغم تجاربه العتيدة، ولكنه قابل للتغيير والتطوير، إذ لم يتم تشكيله ضمن نمطٍ فكري مقولب كما في مجتمعات ما بعد الاستعمار، أو تلك التي جربت الآيديولوجيات الشمولية، البعثية والشيوعية، بل مجتمع توّاق نحو المدنية، لديه احتكاك تاريخي إيجابي مع الغرب، منذ أول رحلةٍ حطّت في البلاد منقّبة عن النفط يقودها خميّس بين رمثان.
وقرار إتاحة خيار القيادة للمرأة يبيّن الخلل الكارثي في البناء الفقهي الرسمي والشعبي، حيث اتسعت رقعة المحرّم، وجرفت المكروهات كل المنجزات الحديثة، وصارت وظيفة الفقه الإضراب عن الواقع وتحوّلاته، بينما الفقه يفترض أنه أداة فسح لكثير من مستغلقات المسائل الشرعية والتي تحجّم حركة الإنسان بواقعه، بدلاً من تحوّله لوسيلة منع جاهزة ضد كل جديد غير مألوف، حدث ذلك مع الساعة، والبرقية، والراديو، والتلفاز، والكاميرا، والسيارة، والقهوة، وبعض ذلك التحريم ليس مختصاً بالجزيرة العربية، بل يمتد حتى شمال أفريقيا، وفتوى القهوة أشار إليها الحجوي الثعالبي الفاسي في كتابه:»الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي».
ثم إن التحوّط والتزهد ليس حكماً فقهياً بل اختيار فردي يمكن للفقيه أن يأخذ بسلوكه المتحوّط، ولكن ليس من حقه تعميم ذلك الوازع النفسي ليكون من ضمن أدوات الاستنباط الفقهي، ولو تصفّحنا كتب الفتاوى فإن معظم المسائل المحرمة تعود إلى تصوّر خاطئ من الفقيه عن المسائل الحادثة أو ما يعرف بـ»فقه النوازل»، ولذلك فإن الحاكم أيضاً له مساحته في التداخل الفقهي كما في تفاصيل مسألة :»رأي الحاكم يرفع الخلاف» ولهذا تفصيل يتعلق بمذهبه، ورأي الحاكم في القضاء، ودوره الفقهي بالحج.
ثمة مفاصل تاريخية كثيرة لمن قرأ نشأة الدولة السعودية الثالثة، من ذلك حين قرر الملك عبد العزيز سحق المتطرفين في معركة السبلة في 30 مارس 1929، وحين قرر الملك فيصل فتح المجال للمرأة لتتعلم مثلها مثل الرجل في منتصف الخمسينات من القرن العشرين، وحين قرر الملك سلمان مع ولي عهده الأمير محمد بن سلمان تعزيز مساواة الرجل بالمرأة بإتاحة الخيار لها بقيادة السيارة، وهذا المسار الثالث يستحق أن يعزز ليكون حضور المرأة بالمجال العام أكثر قوةً لإعطائها الثقة للإسهام في نهضة بلدها، كما فعلت المرأة منذ القدم للمجتمع ومؤسسات الدولة دعماً وخبرةً وعطاءً، وهذا مجال من حقها أن تكون قائدةً فيه لا ينازعها فيه أحد انطلاقاً من أهليتها ومواطنتها بعيداً عن نزعات من ينتمون إلى الفقه، وهذا يذكّرنا بسخرية الفقيه الشافعي ابن دقيق العيد من خصومه حين ناكفوه عن جهلٍ فقال:
يقولون هذا عندنا غير جائزٍ
فمن أنتمُ حتى يكون لكم عندُ؟!

*نقلا عن صحيفة "الشرق الأوسط".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.