«بيوت الأرامل» لجورج برنارد شو
في مرحلة مبكرة من مساره الكتابي للمسرح، كان لا يزال يبدو على جورج برنارد شو، لا سيما في نصوصه الأكثر اجتماعية، نوع من الاهتمام بالبائسين والتركيز على استغلال الأثرياء لهم، وهو أمر عبّر هو بنفسه عنه على أي حال في المقدمة التي كتبها لاحقاً لمجموعة مسرحية أصدرها تحت عنوان «مسرحيات مسرّة وغير مسرّة». ولئن كان من الصعب تحديد زمن كتابة كل واحدة من تلك المسرحيات التي لن يكون أي منها أشهر أعماله، يمكن القول إن واحدتها وهي المعروفة بـ «بيوت الأرامل» ليست فقط أولاها، بل واحدة من أول المسرحيات ذات الهم الاجتماعي التي كتبها شو وقُدّمت على الخشبة. والحقيقة أن في وسعنا أن نرى في هذه المسرحية معظم الأسس التي انبنى عليها مسرح شو الاجتماعي، فكرياً ولكن فنياً أيضاً.
> فالواقع أننا من خلال حكاية تكاد تشبه في مجراها مسرح هنريك إبسن الاجتماعي، يمكننا هنا أن نفهم ذلك البعد السياسي في «اشتراكية» شو حتى. وقبل الإشارة الى هذا، لا بد من استعراض ما تتحدث عنه هذه المسرحية التي كتبت وعرضت عند بدايات العقد الأخير من القرن التاسع عشر. فالموضوع هنا يتحلق من حول الطبيب الإنكليزي الشاب ترنش الذي يلتقي خلال رحلة استجمامية تقوده الى ضفاف نهر الرين، بصبية شابة إنكليزية بدورها تدعى بلانش. يغرم الشابان بعضهما ببعض ولكن حين يلتقي ترنش بوالد حبيبته سانتوريوس يكتشف انه إنما حقق ثروته الهائلة من استغلال الفقراء وتأجيرهم بيوتاً مريعة آيلة للسقوط ولا تتمتع بأي ميزات صحية، ولا تصان على الإطلاق. وإذ يكتشف ترنش من خلال موظف كان يعمل لدى سانتوريوس جشع هذا الأخير وإجرامه، يصر على خطيبته أن تتزوجه من دون أن تقدم أية دوطة. فهو لن يقبل أبداً مالاً في حياته يأتي من مصدر قذر الى هذا الحد. لكن بلانش ترفض ويتوقف مشروع الزواج. بيد أن الأمور لن تلبث أن تسوّى بعد حين، ولا سيما من خلال الموظف نفسه الذي كان قد فضح الحكاية كلها. وكان هذا الأخير قد أقام مشروعاً إسكانياً سلك فيه درباً قويمة وها هو الآن يقدم تجربته كحل وسطي يسهل قبول كل طرف بالآخر، وعودة الخطيبين بعضهما إلى بعض!
> مهما يكن من أمر لا بد من الإشارة الى أن أسلوب المسرحية الكوميدي والناقد اجتماعياً، يبتعد بها من تلك الجدية الصارمة التي كان يمكن أن تسم عملاً من هذا النوع «فاضحاً» من شأن إبسن أن يكتبه. ولعل هذا البعد الكوميدي هو الذي سهّل على جورج برنارد شو، ذي التوجهات الاشتراكية المعتدلة منذ شبابه، أن يقبل بتحويل عمله الى نوع من التصالح الطبقي بدلاً من أن يجعله كناية عن صراع طبقي. ولسوف يقول شو لاحقاً إن المشكلة التي يعبّر عنها هنا لا تتعلق بفساد شخص بعينه أو طبقة محددة بل بمجتمع «يقوم كله على مبدأ الاستغلال. كل طرف مهما كان موقعه يسعى الى استغلال الطرف الآخر. المشكلة هنا هي مشكلة الإنسان المتحضر وليست مشكلة إنسان مستغل بعينه أو طبقة بعينها» وهذا الإنسان هو الذي يريد شو إظهار كونه إنساناً أحمق مفعماً بالتناقضات مبدلاً مواقفه بين لحظة وأخرى. إنه بالنسبة اليه «كائن عبثي لكنه طيّب السريرة في نهاية الأمر...».
> بلحيته الكثة وصلعته اللامعة وابتسامته الساخرة، كان منظر الكاتب الإرلندي جورج برنارد شو في حد ذاته كافياً لإثارة الذين ينظرون اليه، سواء كانوا يدركون من هو، أو يجهلون كل شيء عنه، وهو الكاتب اللاذع الذي كان أدبه مقروءاً من العالم كله في ذلك الحين. من هنا لم يكن الرجل بحاجة لأي تصرف استعراضي حتى يلفت الأنظار. ومع هذا لم يتوان ذات يوم وهو يجتاز الحدود بين بولندا والاتحاد السوفياتي في القطار، عن إمساك ما كان في حوزته من طعام متبق ورميه من النافذة، ملتفتاً الى مرافقيه قائلاً لهم: «روحوا الى الغرب وقولوا له انني رميت ما بحوزتي من طعام وأنا أدخل الأراضي السوفياتية، لكي أؤكد ان لا مجاعة هناك، وان كل شيء متوافر في هذا البلد الذي يثير إعجابي». فالحال ان أخبار المجاعة من الاتحاد السوفياتي في تلك السنوات اللاحقة من حياة شو إذ كان قد بات واحداً من أشهر كتاب العالم، كانت تشغل أعمدة الصحافة في العالم كله، لكن جورج برنارد شو أصر في ذلك اليوم على ان ذلك كله ليس أكثر من «دعاية بورجوازية ضد بلد الطبقة العاملة الأول، وضد زعيمه ستالين».
> باختصار كان شو قد بات، وقد فصلته عقود عن تلك البدايات المسرحية التي تمثلها المسرحية المبكرة التي تحدثنا عنها أول هذا الكلام، معجباً بستالين، حتى قبل ان يصل الى موسكو. واجتماعه به يوم 29 تموز 1931، خلال زيارته الشهيرة للاتحاد السوفياتي والتي زادته اعجاباً. الرجلان خلال الحديث الذي جرى بينهما بديا متفاهمين على طول الخط. فبالنسبة الى شو لا مجاعة في هذا البلد، ولا قمع ولا اضطهاد لبريء. اما حين سئل عن أعمال السخرة التي يقوم بها ملايين العمال، فكان جوابه: «بالعكس إنني أتمنى أن يفرض نظام السخرة في بريطانيا أيضاً».
> فهل كان شو مازحاً أم جاداً في ذلك القول؟ كل الدلائل تشير الى انه كان جاداً. ولو كان هذا صحيحاً، لكان على صواب أولئك البريطانيون المثقفون الذين رأوا في مجال تعليقهم على زيارة شو لموسكو وما أدلى به من تصريحات، انه - أي شو - جعل من نفسه المثال الصارخ على ما كان لينين يصف به بعض المثقفين الغربيين بأنهم «حمقى نافعون». المثقفون الذين كان لينين يعنيهم بهذا، هم أولئك الليبراليون الذين كانوا يساندون الثورة البلشفية، ضاربين الصفح عن عيوبها، وها هم الآن يساندون الاتحاد السوفياتي، وكان جورج برنارد شو من بين هؤلاء.
> والحقيقة أننا إن كنا نشير الى هذه الحكاية هنا فإنما لكي نؤكد وسطية شو التي كانت قد ظهرت لديه منذ بداياته معبراً عنها بتلك النهاية الغريبة التي جعلها لمسرحية «بيوت الأرامل». بالنسبة الى شو، كانت معركته الرئيسية هي المعركة ضد البورجوازية البريطانية، وهو كان يرى ان هذه المعركة تجمعه مع ستالين الذي كان يبدو عليه انه قادر على مهادنة كل أعدائه، باستثناء تلك البورجوازية. من هنا حين توجه شو الى الاتحاد السوفياتي زائراً ليستكشف ذلك البلد - المعجزة، كان ينطلق كما يبدو من مفهوم «عدو عدوي صديقي»، لذلك كان في وسعه ان يغض النظر عن كل ما يراه من عيوب، وان يؤكد لمن يلتقي به ان هذا البلد يختلف كلياً عن الصورة التي تحاول الصحافة البورجوازية ان تصوره بها. مهما يكن فإن هناك جانباً آخر في شخصية شو، دفعه لأن يبدي كل ذلك التعاطف «مع أكبر تجربة اشتراكية» تتحقق في العالم حتى ذلك الحين. فهو كان بالفعل اشتراكياً، سبق له ان وضع دراسات عدة عن الماركسية ضمت الى الكتاب الإنكليزي الشهير الذي خاض في المسألة الاجتماعية الاقتصادية «دراسات فابية» من هنا لم يكن غريباً منه ان يبدي كل ذلك الحماس للتجربة السوفياتية، بخاصة لجوزيف ستالين الذي التقاه في حديث خاص جرى بينهما طوال أكثر من ساعة، تباسط فيه الرجلان، وعند ختامه قال ستالين عن مؤلف «الأسلحة والإنسان» انه «متعب لكنه مخلص وصادق»، فيما قال شو عن ستالين: «إنني شديد الإعجاب بهذا الجيورجي الذي كان بإمكانه ان يكون ابناً غير شرعي لكاردينال ارستقراطي». ويقال ان ستالين أعجبته هذه الملاحظة وظل طوال سنوات يرويها في مجالسه الخاصة.
لا بد ان نذكر ان جورج برنارد شو، حين زار ستالين، لم يكن وحده بل كانت ترافقه الليدي أستور، التي لم تعرف بأي تعاطف مع ستالين، أو مع التجربة السوفياتية، ومع هذا قامت بالزيارة لأنها - على حد ما قالت قبل ذلك - أرادت ان تقول رأيها لستالين «بكل صراحة». وبالفعل ما أن التقته حتى التفتت اليه وسألته: «متى يا سيدي الرئيس ستتوقف عن قتل الناس بنفس الطريقة التي كانت تجري أيام القيصر؟» ويبدو ان ستالين كان يتوقع منها ذلك السؤال، اذ ما إن تفوهت به حتى قال لها مبتسماً: «حين يتحقق السلام».
* نقلاً عن "الحياة"