ثقافة الآخر

فضيلة الفاروق
فضيلة الفاروق
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
دقيقتان للقراءة

دائماً حين نقول «ثقافة الآخر» فنحن في الغالب نعني المختلف عنّا، الغرب، أو الهند والسند وبلاد الواق واق.. أو أياً كان.

وفي الحقيقة كلما ابتعدنا عن جدران بيتنا، ومحيط العائلة تبدأ الاختلافات في نهش أو بناء علاقاتنا، ومع هذا نعيش على وهم التشابه، والوحدة والعوامل المشتركة التي يفترض أنها تربطنا في حزمة واحدة هدفها النّفسي أن تُشعِرنا بالأمان، وهدفها البعيد أن تبقينا تحت جناح سلطة واحدة.

ثقافة الآخر، والتي هي مجموعة من العادات والتقاليد والسلوكات التي تميز مجتمعاً عن غيره، هي في حجمها المجهري ثقافتك أنت كفرد، والتي تختلف مثل بصمات الأصابع والعين عن أي فرد آخر حتى وإن كان توءمك، وهي في صيغتها الواسعة والعامة ما يجتهد الجميع لممارسته كشيء متفق عليه، مثل ممارسة الرياضة مثلاً، أو زراعة الزهور في الشرفة، أو تربية الدجاج في الحديقة الخلفية البيت..

كل هذه التفاصيل تبني ثقافتك الخاصة، فيما تفصيلات أخرى تبني الثقافة العامة التي تنتمي إليها، وهذا المفهوم لثقافتك وثقافة الآخر هو ما يحدد نوعية المحيط الذي يمكنك أن تعيش فيه.

وكونك ابن بيئتك، فهذا يعني بكل بساطة أنك ابن ثقافة معينة، لهذا يستحيل أن تبني جسوراً مع ثقافة مغايرة لها إلاّ إذا كانت لديك ثقة أن ثقافتك ليست أنت، بل هي شيء مكتسب، وكونه كذلك لا يعني أنّك بدونه تفقد هويتك.

فالثقافة فخ، تقع فيه في اللحظة الأولى لولادتك، حين تكون بدون رأي، وموقف، والدليل أنك ستحمل اسماً قد يتعب نفسيتك طيلة حياتك وستجد صعوبة في تغييره، ستحمل أعباء عائلتك، وإرثها الثقافي، ثم مع تقدمك في العمر والإدراك، تبدأ في اكتساب قائمة من الأشياء حسب ذائقتك الخاصة، وفي التخلي عمّا يثقل كاهلك حسب ثقتك بنفسك وقوة إرادتك.

نحن لا نتحدث هنا عن انقلاب كبير في حياتك، بحيث تنقلب في ذوقك من الاستماع لعبدالباسط عبدالصمد في أماسيك الخاصة إلى الاستماع لموسيقى موزار وباخ، ولا من تغيير لباسك التقليدي بارتداء أحدث البدلات، فتقبلك للآخر هو أن ترى مواطن الجمال في ثقافتك وثقافة غيرك، ما يجعلك تقيم علاقة طيّبة وجميلة بين ما تشبعت به وأنت في عمر غض، وما قطفته من ثمار طيبة من جنان ثقافات أخرى، هي أن لا تخجل من ثقافتك وجذورك إن حدث واكتشفت ما هو أجمل في ضفة الآخر..

هي أنت حين تهيم في ملكوت الله مع صوت مقرئك المفضل، وحين تسافر في عوالم الأدب العالمي بعقل مستيقظ وناقد، ومشاعر لا تعرف الكراهية والإقصائية إليها سبيلاً.

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.