.
.
.
.

حين وقف سيّد هوليوود الرجعيّ الى جانب «الحمر»

ابراهيم العريس

نشر في: آخر تحديث:

من المؤكد أن المخرج الأميركي جون فورد، حين وقف مهاجماً زميله ومواطنه سيسيل ب. دي ميللي في عز اشتداد حملة القمع الماكارثية في هوليوود ضد التقدميين والروزفلتيين والشيوعيين طبعاً - والتي حوّلت كثراً من أهل هوليوود الى مخبرين - لائماً إياه على نميمته ضد رفاقه السابقين، لم يكن على علم بأن لدي ميللي فيلماً حققه قبل ذلك بنحو ربع قرن، يقف فيه بوضوح الى جانب الثورة البولشفية، وربما من دون أن يدرك هذا! لو كان فورد يعرف، لكان من شأنه أن يذكر فيلم «بحار الفولغا» في معرض إدانته لنذالة دي ميللي وتقلباته.


> فالحقيقة أن ذلك المخرج ذا الأصل الإيطالي، حقق «بحار الفولغا» بين العامين 1924 و1926، في وقت كانت فيه معلومات الأميركيين حول ما يحدث في روسيا، لا تزال قليلة. وكان كثر يتعاطفون مع الثورة من دون أن يفقهوا شيئاً عن محتواها الأيديولوجي. وهكذا يومها، على طريقته في انتهاز الأحداث للغوص في سينماه التجارية الصاخبة المدرّة للأرباح، سارع دي ميللي سابقاً غيره في تقديم موضوع يدور أساساً حول حكاية حب بين ثائر «أحمر»، أي بولشفي شيوعي، وأميرة بيضاء... ولم تأت الحكاية على تلك البساطة التي يمكن أن نفترضها هنا لفيلم غراميّ أيام السينما الصامتة. بل أتى مركباً من تشعبات عديدة وخبطات مسرحية وتقلبات مزاجية واكبها المخرج الشاطر بما كان معروفاً من غناء روسيّ في كل أنحاء العالم، لا سيما أغنية «بحارة الفولغا» التي تلعب دوراً أساسياً في الفيلم. بيد أن الدور الأهم تلعبه الثورة نفسها التي لا يخفي دي ميللي تعاطفه مع «ممثلها» في الفيلم، البحار العاشق ( قام بالدور ويليام بويد) الذي صوره دائم مفتوح القميص عند صدره سواء حين كان بحاراً بسيطاً أو حين أصبح ثورياً محترفاً أو قائداً من قواد الثورة. في مطلق الأحوال، كانت قميصه المشرعة ثابتاً من ثوابت ذلك البحار، إضافة الى حبه للأميرة فيرا التي إذ اعتقلها الحمر لوقوفها مع البيض، طُلب إليه أن يتولى هو إعدامها... لكنه بدلاً من ذلك، يهرّبها هارباً معها، من دون أن يتخلى عن حميّاه الثورية...

> طبعاً لن يهمنا هنا كثيراً تتابع الأحداث في هذا الفيلم الحافل بالمغامرات، لكن الحافل أيضاً بالأخطاء التاريخية والتناقضات الفكرية، ما يهمنا هو التوقف عند ذلك الحسّ التجاري الذي حرّك يومها مخرجاً ناجحاً وجعله يغض النظر عن أفكاره السياسية الخاصة، لمجرد أن يشتغل على موضوع كان يعرف أن له شعبيته في أميركا والعالم، في وقت كانت بضع سنوات قد مرت فقط على نجاح ثورة لينين الذي كان لا يزال، عند تحقيق الفيلم، على قيد الحياة. ثم إن دي ميللي الذي بدا بالغ التعاطف مع بطله الشيوعي ومناصراً لحكاية غرامه، لم يكن يدرك أنه كان في الوقت نفسه يحول الثورة التي كانت تريد لنفسها أن تكون جماعية، الى حركة تمرد فردية من خلال ذلك البطل الذي لئن كان قد أمضى وقته محارباً اليمينيين وجماعة البيض والقيصر، فإنه في جزء أساسي وتال من ذلك الوقت لا يتوقف عن مخادعة رفاقه في محاولة دائمة منه لإنقاذ حبيبته المنتمية الى «المعسكر الآخر». ويمكننا على أي حال، أن نفهم أن هذا كله لم يكن مهماً بالنسبة الى ذلك المخرج الذي تقمص النزعة الهوليوودية أكثر من أي مخرج آخر، وآلى على نفسه أن يتصرف خارج نطاق أي بعد أيديولوجيّ، الى درجة أن دهشته كانت كبيرة حين هاجمه جون فورد بنفسه في تلك الجلسة الهوليوودية الشهيرة في سنوات الخمسين وفق رواية جوزف مانكفيتش عن سنوات هوليوود السوداء. بل إن دي ميللي كان من الذهول بحيث أنه هو الآخر سهى عن ذكر هذا الفيلم كدليل على «حياديته»!

> مهما يكن، من المؤكد أن المخرج الهوليوودي الأشهر الذي رحل عن عالمنا في العام 1959، لم يكن عابراً عادياً في حياة عاصمة السينما، بل كان ويبقى الأكثر شعبية بين كبار صانعي أفلامها، هو الذي اشتهر بالأفلام التاريخية الى درجة أن فن السينما التاريخية نفسه، قد ارتبط باسمه، حتى وإن كان النقاد والمؤرخون يرون أنه لئن كان الأشهر فإنه أبداً لم يكن الأفضل في ذلك المجال. فهو، إذ ساهم في صنع مدرسة سينمائية تاريخية شهيرة، لم يكن على أي حال مبدعها الأكبر.

> ولد سيسيل ب، دي ميللي العام 1881 في ولاية ماساتشوستس الأميركية، لأبوين كانا يعملان في التمثيل المسرحي، فكان من الطبيعي له هو الذي رُبّي منذ سنوات طفولته الأولى في الأجواء الفنية، أن يكون اتجاهه فنياً بدوره، فتلقى دراساته العليا في الأكاديمية المسرحية في نيويورك، وبدأ حياته العملية ممثلاً، ثم تحوّل الى الإخراج المسرحي حين تولى إخراج أحد عروض مسرحية «هاملت» لشكسبير، ثم كتب العديد من المسرحيات. ومن المسرح انتقل الى السينما في العام 1912، حين أسس مع جيمس لاسكي وصامويل غولدوين شركة إنتاج سينمائي هي نفسها التي تحولت بعد ذلك لتحمل اسم «بارامونت». بعد تأسيس الشركة، انتقل سيسيل دي ميللي الى كاليفورنيا حيث سيصور فيلمه الأول، وهناك راح يبحث عن أماكن للتصوير، فأعجبه المكان الذي تقوم عليه مزرعة بالقرب من لوس أنجليس، فاستأجر المزرعة... وكانت هي التي تحوّلت منذ ذلك الحين لتصبح عاصمة السينما الأميركية: هوليوود. وهكذا كانت بداية دي ميل هي هي بداية «بارامونت» وبداية هوليوود. وهذا ما جعل هذا الفنان يعتبر على الدوام حاذقاً ومنظماً أكثر منه مبدعاً. وهو سيؤكد ذلك في العديد من المشاريع التي سيخوضها، ولن تكون كلها مشاريع سينمائية فقط، بل إنه خاض العديد منها خارج إطار السينما، ومن ذلك أنه أسس ذات عام شركة طيران تولى رئاستها بين 1918 و1924، وكانت كبيرة النجاح في عهده. بيد أن هذه الجوانب لا تهمنا كثيراً في حياة صاحب «ملك الملوك» وغيره من الأفلام التاريخية. ما يهمنا من هذه الحياة، هـــنا، هو جانبها المتعلق بالسمعة التي اكتسبها دي ميل بوصفه سيد السينما التاريخية الأميركية من دون منازع.

> في البداية، اتجه دي ميل الى تحقيق سلسلة من الأفلام الهزلية الغرائبية التي كان يولي بطولة معظمها الى الممثلة غلوريا سوانسون. غير أنه سرعان ما اكتشف ولع الجمهور العريض بسينما «الغرب الأميركي» والمقاومة والحركة، كما اكتشف ولع ذلك الجمهور بالسينما التاريخية، لا سيما بفيلم «تعصب» الذي حققه غريفيت، فصاغ على مثاله فيلم «الوصايا العشر» الذي كان طريقه الى الشهرة وأول محاولة منه لسلوك ذلك الدرب الذي أوصله، بعد سنوات، ليصبح مخرج الأفلام التاريخية الأكبر في هوليوود. وتتالت أفلامه الكبرى «جان دارك» (1917) و«بحار الفولغا» (1924) و «ملك الملوك (1927) الذي صور معظم مشاهده في مدينة القدس، وبعد خمسة أعوام منه حقق «علامة الصليب» ثم «كليوباترا» من تمثيل كلوديت كولبير وتشارلز لوتون، وبعده كان «الصليبيون» (1935) ثم «شمشوم ودليلة» (1948) ثم «الوصايا العشر» في طبعة جديدة (حققه بين 1955 و1956)، وهذه الأفلام وغيرها اعتبرت، دائماً، مدرسة سينمائية قائمة في حد ذاتها، وكانت هي ما أتاح لسيسيل دي ميل أن يعتبر عموداً من أعمدة هوليوود، وجعل المؤرخين والنقاد يغفرون له حتى سقطاته السياسية هو الذي اعتبر على الدوام رجعياً، وتجلت رجعيته في شكل خاص أيام الماكارثية حيث كان من القسوة على زملائه اليساريين المدانين، بحيث اضطر مخرج مثل جون فورد لأن يجابهه بعنف واحتقار، في تلك الحكاية التي افتتحنا بها هذا الكلام.

> تميّزت أفلام دي ميل بفخامتها الإنتاجية التي كانت تخفي نظرة مثالية للتاريخ، كما تميزت بحسن إدارة هذا المخرج لعدد من كبار الممثلين الهوليووديين، لا سيما في الأفلام التي كان يبعد فيها عن التاريخ بعض الشيء، ومنها مثلًا فيلمه الأجمل والأفضل «تحت أكبر قبّة في العالم» (1952)، وهو فيلم حققه عن عالم السيرك ولا يزال الأفضل من نوعه حتى الآن. وإزاء إنتاجه الضخم والناجح، كان من الطبيعي لسيسيل دي ميل أن ينال العديد من الجوائز وضروب التكريم، كما أنه ظهر في فيلم «سانست بوليفار» لبيلي وايلدر في شخصيته الخاصة، هو الذي عشق هوليوود على الدوام، وكان من أكثر أساطينها إيماناً بالقيم والأساطير الأميركية على رغم أصوله الإيطالية المتواضعة.

* نقلاً عن "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.