الناتو، مرآة لخلافات ترامب والأوروبيين
كتب داليبور روهاك، باحث زميل في معهد اميركان انتربرايز، ورقة مهمة تم نشرها قبل زيارة دونالد ترامب لبروكسل لاجتماع حلف الناتو في ضَل توتر شديد بين أعضاء الناتو.
يذكرنا الكاتب بمقولة دونالد ترامب التي يكررها منذ الثمانينات عندما كان يقول ان "مساهمة امريكا غير متساوية" ويقصد ان دور ومساهمة امريكا في حلف الناتو تفوق بقية الاعضاء. وهذا امر واقعي ولكنه لم يمنع وزيرة الدفاع الالمانية من وصف سياسة ترامب "بالغير ناضجة" في هذا الشأن.
الحقيقة ان أوروبا استغلت الطموح الامريكي بلعب دور الريادة العالمية فتبنت أوروبا سياسة الركوب المجاني "free riding" على حساب امريكا، وهذا ما يحاول ترامب تغييره. وعلى الرغم من بعض التصريحات الأوروبية ان أوروبا يجب عليها ان تكون اكثر استقلالا عن امريكا الا ان هذا الامر بعيد عن الواقع، فألمانيا على سبيل المثال لن تصل الى نسبة ال ٢٪ المقررة لمساهمة كل عضو في ميزانية الناتو عن طريق الإنفاق على التسليح والانفاق العسكري لكل دولة قبل ٢٠٢٥، هذا اذا بدأت ألمانيا بزيادة الإنفاق العسكري على جيشها بشكل كبير جدا.
مقابل ذلك هناك امر اخر غاية في الأهمية، وهو اتفاق امريكا وأوروبا على ماهي المهددات الأمنية والتنافسية العالمية. ففي الفترة الاخيرة اختلفت المصالح ولم يعد هناك توافق على اساسيات الأمن بينهم.
فامريكا ترى ان ايران هي اكبر خطر ومهدد للامن والاستقرار في منطقة الشرق الاوسط، ولكن أوروبا تسعى للحفاظ على الاتفاق النووي مع ايران وزيادة التبادل التجاري معها ضاربة المصالح الامريكية عرض الحائط ومهددة أمنها القومي بهذا السلوك الاناني الغير مبرر والذي يساعد ايران على الاستمرار في برنامج الصواريخ الباليستية ودعم نظام بشار الأسد الوحشي.
وايضاً بالنسبة لامريكا تعتبر الصين اكبر منافس لها على الساحة الدولية في المدى المنظور وبالرغم من ذلك تتنافس الدول الأوروبية للحصول على الاستثمارات الصينية وزيادة التعامل التجاري معها مع علمهم بحجم التأثير السلبي على المصالح الامريكية وتقييد قدراتها للتعامل مع هذه التحديات، زيادة على ذلك فتحت أوروبا المجال للمنظمات والمؤسسات التي تروج للمشاريع والاستثمارات الصينية وأبرزها حزام وطريق الحرير.
وكان التناقض الاوروبي واضح جدا في ما يخص تعاطيها مع روسيا، فهي تطالب امريكا لوضع حد لتدخلات وسياسات بوتين في أوروبا ومواجهة اطماع روسيا الخطيرة ولكنها في نفس الوقت تسعى للاستمرار وزيادة التعامل التجاري مع روسيا، على الرغم من احتلالها لشبه جزيرة القرم وتدخلاتها في أوكرانيا وغيرها.
ويذكرنا الباحث ان حلف الناتو نشأ على قاعدة مشتركة من القيم بين الدول الاعضاء وأهمها القيم الديمقراطية كما وصفها. وحتى هذه القيم لم تعد عاملا مشتركا بين جميع الاعضاء فسياسات اردوغان المحلية عصفت بهذه القاعدة المشتركة وجعلت الباحث يسأل عن اسباب اجبار دافعي الضرائب على المساهمة بميزانية الناتو والمخاطرة بأرواح رجالهم لحماية أعضاء الناتو في وقت يعزز فيه اردوغان من نظامه الاستبدادي والذي يتصادم مع الكثير من أعضاء دول الناتو.
وما يثير اهتمامنا هنا ان هذه المنظمة "الناتو" التي ساهمت بتعزيز الأمن القومي الجماعي لدول كانت في صدام مستمر على مر التاريخ وتدرس تجربتها في تعزيز الامن والاستقرار الإقليمي، تتعرض اليوم لأكبر تحدي لها لانه نابع من الداخل وليس مهدد خارجي يوحد الاعضاء لمواجهته، انما على العكس من ذلك، اختلف الاعضاء داخل المنظمة على تحديد ما يهددهم كمجموعة وما يحتاجونه للاستمرار.
الحقيقة هي ان مساهمة امريكا المادية واللوجستية تفوق مساهمة بقية الاعضاء وهذا امر يخل بمبدأ التوازن ليكون أمنهم الجماعي متساوي. وكان على الدول الأوروبية ان لا تسمح بهذا الاختلال في الميزان ولكنها استغلت هذا الامر لصالحها وارتضت لامريكا ان تتغول داخل الناتو وخارجه. وعندما أتى اليوم الذي تعارضت مصالحهم وسياساتهم في بعض القضايا المهمة تعرض هذا الحلف لخطر اضعاف فعاليته في احسن تقدير. فعندما تقرر امريكا مساواة مساهمتها ببقية الاعضاء لن تكون قدرات الناتو كما هي عليه الان من فعالية وكفاءة.
ستكون الأيام القادمة مليئة بالمستجدات فترامب يسابق الزمن لتحقيق أهدافه في ما تبقى له ولإدارته من عمر، وتسعى أوروبا للتسويف والمماطلة مختارة ابقاء الوضع كما هو عليه بدل اصلاحه ليتوافق مع المتغيرات الكثيرة التي طرأت على الساحة الدولية والإقليمية. ولكن الاكيد هو ان قدوم دونالد ترامب فتح العديد من الملفات الخطيرة التي كانت تركن في الظلام على أمل ان تختفي لوحدها او تدفع ثمن التعامل معها دول اخرى، واليوم اصبح التعامل معها امر واقع لا يحتمل التأجيل.