في بناء الفضاء الشبكي العام

إبراهيم غرايبة
إبراهيم غرايبة
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة

تعيد شبكات التواصل فكرة الساحة العامة الرئيسية (أغورا/ زارا) التي كانت فضاء أهل المدينة جميعاً للتجارة والمقايضة والاحتفالات والصلاة والتقاضي والتعارف والتزاوج، أو مؤتمراً عاماً للمصالح والأفكار والسياسات اليومية والكبرى، ثم صارت هذه العمليات تعكس نفسها في «الجدل العام» الذي تقدمه وسائل الإعلام والمنظمات الاجتماعية والأحزاب السياسية والنقابات المهنية، وتكون الاتجاهات والتشريعات محصلة لذلك الجدل العام.

مؤكد بالطبع أن الجدل العام ضروري جداً لبناء مجال عام تجد فيه جميع مكونات الأمة (السلطات والمجتمعات والأفراد) مجالاً لتبادل الأفكار ومراجعة الاتجاهات والمواقف، والقدرة على التأثير فيها، ولا شك أيضاً أن شبكات التواصل الاجتماعي صارت الساحة الرئيسية لجميع الاتجاهات والطبقات والمؤسسات للجدل وتبادل المعرفة والتأثير.

لكن المجال العام المتشكّل اليوم بفعل شبكات التواصل ما زال يفقد تعاقد الفاعلين فيه على إطار للمبادئ والقواعد ينظم المشاركة فيه، وفي ذلك فإنه يتحول في غالبية الأحيان إن لم يكن دائماً، من مجال عام تتجادل فيه الأفكار والآراء والمواقف إلى عمليات صراع وتضليل وتقسيم اجتماعي عميق للمواطنين والجماعات، فلا يلاحظ الفاعلون في المجال العام أنه فضاء عام لكل مواطن يستطيع أن يتصل بالإنترنت، وأن هذا «الوصول» يجعل جميع الفاعلين/ الواصلين على قدم المساواة المطلقة أو قريباً من ذلك، وفي ذلك فإنه لا مجال لتنظيم هذا الفضاء إلا بأن يكون كل فاعل/ واصل مقبولاً في مشاركته، وأن يلتزم أيضاً كل فاعل باحترام وحق كل مشارك على قدم المساواة، وأن يكون الجدل بين جميع الأفكار والاتجاهات والآراء عقلانياً فقط، بمعنى أنه لا سلطة غير العقل على فكرة أو شخص، وأن كل فكرة أو موقف يستندان إلى مقولة دينية أو مصلحة اقتصادية أو اجتماعية أو طبقية يجب عقلنتهما، أي تقديمها إلى الناس والمؤسسات بما هي مواقف عقلانية لا يضيف الدين أو المصلحة إليها قيمة تفضيلية.

إن الدين في الفضاء العام منظومة ثقافية اجتماعية تشكل أحد مكونات الهوية والتنظيم السياسي والاجتماعي والأخلاقي، لكن الدين ليس المصدر الوحيد للتشكلات والتشريعات والتنظيمات السياسية والاجتماعية والأخلاقية. وليست المواقف والاتجاهات المستمدة من الدين في الفضاء العام تمتلك أفضلية أو سلطة أخرى غير العقل، ولا يجوز لأصحابها تقديمها على غير أسس عقلانية، فالشرائع والتعاليم والتكاليف الجماعية المستمدة من الدين عندما تقدم إلى المجال العام كاتجاهات أو سياسات اجتماعية أو اقتصادية، هي أفكار ومقولات قابلة للنقاش والجدل والرد والأخذ على أسس عقلانية، وليست ذات صفة إلزامية أخرى غير ذلك.

والجدل في المجال العام يقيم ويبرر نفسه على أساس ما يخدم الازدهار وبناء دوافع المشاركة العامة لدى المواطنين والمستفيدين والمستهدفين من هذه السياسات في الاتجاه الذي ينشئ وعياً وتقديراً لقيم الحياة الأفضل والازدهار وتقدير الإنجاز والتقدم والمرافق والسياسات العامة، على النحو الذي يجعل القانون والقيم العامة للدولة والمجتمع دوافع ومحركات ذاتية وجميلة تقلل الجهد الرقابي والتنفيذي لمؤسسات الدولة وتطبيق القانون، وإذا لم يكن المجال العام متسقاً مع هدف الازدهار والحريات وقيمتها، فإنه يفقد مبرراته، ما يعني أيضاً وبالضرورة أنه لا أفضلية لفئة أو فكرة تجعلها تشعر بالاستعلاء أو تجعل أصحابها يشعرون بالرفض والكراهية تجاه المخالفين، فلا أحد مرفوض في المجال العام.

والقيمة العليا في المجال العام هي ضمير وأخلاق مستقلة عن حوافز الثواب والعقاب سواء في الحياة أو بعد الممات، لكنها أيضاً قيم مستمدة من الازدهار وتحسين الحياة وتحرسها أيضاً، وقد صعدت الفردية في هذا المجال الشبكي، وبعد أن كانت «الفردانية» ضريبة لعصر الصناعة، فإنها تتحول إلى قيمة سائدة أو فضيلة في عصر الشبكية والثورة الصناعية الرابعة، ما يجعل التفكير في المجال العام يأخذ بالاعتبار أن الفرد أو «الذات الفاعلة» هو المكون الأساسي للمجتمعات والمؤسسات، وربما يحل محل التكوينات الجماعية السابقة، كما يقلل ذلك من دور التنظيم الاجتماعي والأخلاقي الذي كان الوعاء الأساسي لتنشئة الفاعلين الاجتماعيين وصياغة أهداف الدولة ومؤسساتها وتحديدها.

وتصعد أيضاً في المجال العام الشبكي قيم الثقة والإتقان كقيم عليا للأسواق والمؤسسات والعلاقات الدولية والتجارية والاجتماعية، ما يجعلها شاغلاً محورياً للسياسات والعمليات التعليمية والثقافية كما الاقتصادية والسياسية.

ومن وظائف المجال العام أيضاً، الحفاظ على الجدل العام بين الاتجاهات والأفكار والمواقف، باعتباره مجالاً مفتوحاً وليس ملزماً، كما أنه عالم إبداع وتخيلات اجتماعية يمنح فيه المواطنون حياتهم معاً شكلاً مشتركاً، وهو أيضاً عالم استكشاف وتجريب لا يملك فيه أحد الصواب، لكنهم يجدون مساحات متداخلة يقدرونها. ويمكن المجال العام إدارة وإطلاق حالة من الاستماع المشترك بين جميع المواطنين والمهتمين من أجل تقرير غاية المجتمع وهويته وإدراك أهدافه، والإبقاء على الانسجام والاحترام المتبادل بين أتباع الرؤى المختلفة للعالم.

*نقلاً عن "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط