البوهيمي يروي حكايته

فضيلة الفاروق
فضيلة الفاروق
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
دقيقتان للقراءة

يخلق الولد وتخلق حربه معه، كل جيل عربي جديد ينبثق من حرب ويخوض حربه، هكذا يمكن اختصار كتاب الشاعر اللبناني فيديل سبيتي «لماذا تركتني في الثورة وحيدا؟».

الشّاعر الذي وجد نفسه على ركح الثورة وحيدا، مثل مقاتل أخير، يتأمل ساحة الوغى وقد فرغت إلا منه، هو الذي لم تستهوه لعبة حمل السلاح وإزهاق الأرواح منذ البداية، يجلس متأملا ويستقرئ ما مضى.

بالنسبة له الحرب طُعْم يبتلعه المتشبثون بالحياة، كل مقاتل يعتقد أنه يحمي نفسه ومن يحبهم، يختلط الحب بهذا المعنى الغريب بالحرب، ويتغلغل في الأدمغة المنتعشة بمخدّر الحياة، وحده الشّاعر يبقى خارج دائرة القتال، فالذي يحدث في رأسه أقوى من أن تختصره البنادق والرشاشات ...

صوت فيديل وهو يروي تاريخ ثلاثة أجيال من عائلته، هو صوت الذين فقدوا أصواتهم أيضا، هو صوت الموتى والأحياء وهو يلعلع في سماء وربوع هذا الشرق، وفي الغالب أيضا هو الصوت الذي يذكرنا بلؤم الحرب، فهي كالموت تبدو بعيدة إلى أن تضربنا فجأة في العمق.

المتعة في أبهى حللها تبدأ بالسرد القصصي الذي اعتمده الشاعر لسرد امتداده في الماضي؛ إذ إن الحاضر قد يبدو باهتا لو أنه خاطه ورصّعه وزيّنه وعلّقه أمامنا مثل فساتين الأعراس كما يفعل غيره من «أهل هذه المهنة» خجلا من ماضيهم وماضي تلك البذور التي فقسوا منها.

فهنا نحن أمام فيديل.. فيديل الذي يمسك بالحقيقة فجّة ويقسمها نصفين بشفرته الحادة ويروينا بعصارتها اللذيذة...!

« ما أروعك يا فيديل ....

فمنذ سنوات طويلة لم أقرأ نصًّا يروي سيرة الكاتب وذويه بهذا الجمال، لقد تفوّقت على نفسك، حين أبرزت عضلاتك الإبداعية في نص يجمع العائلة، ولبنان، والشرق الأوسط ومصائب هذا الشرق دون أن يفقد عناصر الافتتان، التي تعمل طيلة الوقت على اجتذابنا نحن القرّاء».

غير ذلك كانت الصور تتضح الصورة تلو الأخرى، ألبوم كامل بدت فيه بيروت عبر الأزمنة من دون حجاب في كل ما يرويه الشّاعر عن تقلباتها، فقد حرص طيلة الوقت على أن يكون حقيقيا فقدمها بحلوها ومرِّها، وقدّم نفسه بالطريقة نفسها، وكأنّه مُحَلّف يدلي بشهادته من على منصة في محكمة، أو لعلّ الصورة الأقرب إليه هي لامبالاته لتأليف الأكاذيب، الرّجل بدا منشغلا بما عاشه ملء هواجسه ومشاعره وعقله، فلماذا يهدر وقتا إضافيا في اختراع الأكاذيب؟

على مدى 157 صفحة نذهب في رحلة قراءة ممتلئة، حتى نبلغ تلك الأمومة الهادئة التي ضاعت منا بعد الإقلاع بعيدا عن ديار الطفولة، نجدها في المحطة الأخيرة، فتهجم الغصّة الحقيرة لتخنقنا، أهذا كل ما في الحياة؟ تبًّا...هذا كل شيء، مع كثير من الوحدة..!

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط