.
.
.
.

العَورة الإيرانية.. لعنة هذا الزمان

المثنى حمزة حجي

نشر في: آخر تحديث:

صعق عصابة السذج والأشرار التابعين لما يسمى بـ«الثورة الإيرانية»، وهم المجرمون خامنئي وحسن نصرالله وبشار الأسد وأشباههم، لفوز الرئيس دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية الأميركية الأخيرة، بناء على إدلاء المرشح ترامب بتصريحات خلال الانتخابات بدا من خلالها ميالاً إلى الانعزالية السياسية، رافضاً المغامرات الخارجية، بل وامتدح بشار الأسد باعتباره يحارب «داعش»، ودوت طبول إعلام هذه الأنظمة لقدوم حليف جديد في البيت الأبيض بعد الخائب أوباما، ولم يكن يدور في خلد أي منهم أن صفحة جديدة فتحت لهم، وقد تكون الأخيرة.

بدا الرئيس ترامب منذ الأيام الأولى أقرب إلى السعودية وحلفائها من بشار وحلفائه، وإن كان ترامب أعطى الأولوية لدحر «داعش» فإن الواضح بأن اتجاهه بعد ذلك سيذهب للجم التوسع الإيراني الذي وصل إلى مستويات غير مسبوقة.

على رغم اعتقادي بضعف احتمال هجوم عسكري أميركي على إيران فإن المواجهة السياسية الاقتصادية والاستراتيجية بين الولايات المتحدة وإيران، وهي مقبلة لا محالة، لا تلزم بالضرورة أن تأخذ شكلاً عسكرياً واسعاً ومفتوحاً، فكان يكفي تفعيل الاتفاق النووي ذاته، الذي يسمح بفرض عقوبات اقتصادية كاسحة على إيران بسبب أعمال الإرهاب، وكذلك في حال وجود شك في التزام إيران المعاهدة يمكن إعادة فرض غالبية العقوبات الصارمة التي سبق تجميدها، ولهذا أعتقد أن المواجهة المقبلة ستتخذ الاشكال التالية:

الأول: عودة فرض عقوبات اقتصادية شاملة على إيران، بما فيها حظر تصدير النفط الإيراني إلى أوروبا، حتى لو رفضت روسيا والصين عودة جميع عقوبات ما قبل الاتفاق، فيكفي إعادة أوروبا إلى العقوبات النفطية لخنق الاقتصاد الإيراني المأزوم.

الثاني: اعتراف الولايات المتحدة بالمعارضة الإيرانية، سواء جماعة مجاهدي خلق أم الجماعات القومية والعرقية التي تتعرض لسحق مذهبي وقومي، كالأكراد والأذريين والفرس السنة والبلوش والعرب وغيرهم، وبخاصة أن مستشار الأمن القومي الأميركي الجديد جون بولتون يملك علاقة إيجابية مع مجاهدي خلق ويحضر اجتماعاتهم بانتظام، ويؤيد بشدة إسقاط نظام الملالي بوصفه حلا وحيدا حقيقيا لأزمة إيران مع العالم.

الثالث: سلسلة من العقوبات الدبلوماسية الغربية ضد نظام الملالي لعزله عن العالم وقطع أي أمل أمامه بإمكان تحويل مسار الأحداث مرة أخرى.

انسحاب الرئيس ترامب من الاتفاق كان أسوأ كوابيس الملالي، إذ حشرهم في زاوية خطرة لأنه الاتفاق الذي أطلق يد الملالي في التوسع الإقليمي وأعطاهم ثروة هائلة من الصادرات النفطية والودائع المحتجزة، ولكن الآن بعد الانسحاب في حال استمرار النظام في العبث بشؤون المنطقة قد تلجأ الولايات المتحدة، إذا لم تنجح العقوبات الثلاث المذكورة، لوضع الملف الإيراني تحت الفصل السابع والدفع إلى تصعيد قد يصل إلى فرض حصار بحري على الموانئ الإيرانية، بحجة حظر تصدير وتهريب السلاح يمثابة مرحلة أولى، يتبعها تفتيش السفن الواردة الموانئ الإيرانية، بحجة منع إيران من استيراد مواد نووية، على رغم خطورة وصعوبة مثل هذا الإجراء، لأن فرض حصار بحري قد يتطلب قرارا من مجلس الأمن، وقد يصطدم بالفيتو الروسي والصيني، كما أن إقدام الولايات المتحدة بمفردها على مثل هذا الإجراء يعد من أعمال إعلان الحرب ضد إيران، قد تنتج منه حرب يجب الاستعداد لها أولاً، ولا نرى حتى لحظة كتابة هذه المقالة استعدادات عسكرية لمثل هذا الإجراء، لكن ليس من الصعوبة البناء بسرعة على القدرات العسكرية الأميركية الكبيرة الموجودة في المنطقة من أساطيل وقواعد وتجهيزات دائمة وهائلة.

هذه الإجراءات ستخلق صدمة اقتصادية وسياسية في الداخل الإيراني اليائس من تحسن الأحوال الاقتصادية التي كانت سببا في مظاهرات واسعة أخيراً، أحدثت حال رعب أدت إلى تحالف المتشددين والإصلاحيين معاً المرة الأولى ضد الجماهير، ما أكد عدم وجود تيار إصلاحي حقيقي في البلاد، كما توهم أوباما، وأن القضية هي في الواقع لا تعدو كونها توزيع أدوار ومكتسبات على مسرح عرائس يقوده مرشد الثورة الخامنئي، وهو ما أعطى النظام الإيراني قدراً كبيراً من المرونة والحصانة، وكذلك نجح النظام في الدمج بين حالين؛ الأولى هي المذهبية الشيعية من ناحية، ونظام الملالي من ناحية أخرى، ما جعل الانتماء إلى النظام هو محور المذهب، وهو ما ظهر جلياً في الأحداث الأخيرة حين اجتاحت المظاهرات المدن الإيرانية، إذ تحالف المتشددون ومن يسمون بـ«المعتدلين» في شكل مدهش، ضد الثورة الشعبية، لأنها لم ترفع شعار إصلاح بقدر ما رفعت شعار التخلص من النظام الذي يترأسه الخامنئي، الذي وصفه المتظاهرون بالديكتاتور، ما يوحي بأنه لا فرق حقيقيا بين متشدد ومعتدل؛ فالاثنان يعتبران بقاء المذهب الشيعي مرتبطا ببقاء النظام ذاته.

أما الحال الثانية، فهي الدمج بين المذهبية الشيعية من ناحية وبين تصدير الثورة الإيرانية، أي أهداف النظام التوسعية تصبح مصلحة مشتركة مذهبية شيعية وقومية، بمعنى أن الانتماء إلى المذهب يتطلب حتماً الولاء لتصدير الثورة وإنشاء الإمبراطورية الصفوية الشيعية، ما جند ليس فقط شيعة إيران، بل ملايين المهووسين والمكبوتين الشيعة العرب ممن صدقوا أن الولاء لإيران والخامنئي هو ولاء للمذهب الشيعي يستوجب نصرة الثورة الإيرانية، باعتبارها ثورة إسلامية لنصرة المستضعفين (الحسين ومن معه؛ أي الشيعة وأصدقاءهم ) وإعادة إنتاج ثورة الحسين عليه السلام ضد الاستبداد ( يزيد ومن معه؛ أي السنة وأصدقاءهم)، وبلغ من الاستخفاف بعقول الجمهور من الأتباع حال الاحتفال التي أطلقوها عند تدخل الجيش الروسي في الحرب السورية والقصف المدمر لمنازل وقرى السوريين من دون اعتبار لملايين القتلى والمشردين من النساء والأطفال المسلمين، بل اعتبرت النبرة الاحتفالية شماتة مذهبية لا تخفى على عين أو أذن، بل حتى خرج الصفويون ليطلقوا ادعاءً سخيفا بأن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أصله إمام شيعي عراقي اسمه الحقيقي الإمام «عبدالأمير أبوطين» كان هاجر إلى روسيا، لكنه الآن عاد لينضم رسمياً إلى «الجهاد المقدس» لاسترداد الشام من نواصب بني أمية وشعار «الجهاد المقدس» هو شعار حقيقي رفعه الخميني سابقاً ويردده أتباعهم في العراق وسورية ولبنان واليمن، وسمعناه من أتباعهم في أكثر من دولة خليجية، وهي الحرب المقدسة المُمَهدة لخروج المهدي المنتظر.

لهذا وصل العالم إلى قناعة بأنه لا توجد أية طريقة بشرية للتفاهم مع النظام الإيراني، فهو نظام يعيش مجموعة من الأساطير والمظالم الخرافية التي أنتجتها المآتم، وجعل هدفه العمل على تنفيذها، ما أدى إلى المشهد الدامي من الخراب في العراق وسورية واليمن، وسقوط لبنان تحت حكم عصاية صفوية مسلحة، وملايين من الضحايا الأبرياء، ما يجب أن يفتح باباً جديداً وحازماً ونهائياً للتعامل مع هذا النظام، بخلاف المفاوضات الفاشلة.

* نقلا عن "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.