.
.
.
.

«اعترافات كاذبة» لماريفو

ابراهيم العريس

نشر في: آخر تحديث:

من المعروف في رأي كثر من دارسي الحياة الأدبية المتبحرين في علاقة هذه بالمجتمعات المتعلقة بها أن من يحب أن يعرف شيئاً عن الذهنية الاجتماعية العامة، وفي شكل أخص ذهنية الطبقات العليا، في المجتمع الفرنسي في ما يخصّ موضوعنا هنا، عشية الثورة في القرن الثامن عشر، قد يكون من الأفضل له أن يقرأ أو يشاهد مسرحيات كاتب يبدو للوهلة الأولى، غير ذي علاقة بتلك الثورة، لا من بعيد ولا من قريب. وهذا الكاتب هو ماريفو، صاحب مسرحيات كوميدية كثيرة.

صحيح أن مسرحيات ماريفو، باستثناء اثنتين أو ثلاث، كانت «نُسيت» بعد انتصار تلك الثورة، لكنها عادت، منذ بدايات القرن العشرين لتشغل مكانة أساسية في «ريبرتوار» المسرح الشعبي الفرنسي، وربما الأوروبي أيضاً. لكن اللافت أن تلك المسرحيات عولجت على الدوام بوصفها أعمالاً ترفيهية يختلط فيها الهزل بالغراميات الرومانسية ووشوشات القصور، بالحوارات التي لا تنتهي، ومناورات الكواليس، بالخبطات المسرحية المباغتة التي قد يكون من الصعب تصديقها. وانطلاقاً من هنا، يوضع مسرح ماريفو في خانة واحدة مع بعض أكثر أعمال غولدوني وموليير وبومارشيه شعبية. وكان ذلك بالطبع في زمن كانت قد نُسيت تلك التحليلات المسبقة بل حتى المبكرة التي كان يشتغل عليه النقاد والباحثون بطريقة لا شك في أنها مبتكرة عرفت كيف ترسم لأعمال ماريفو - أو بعضها في الأقل - صورة تنتمي حقاً إلى تلك الصور التي كانت تسم ضروب الأدب والفن اللذين يكشفان عن الذهنيات، في بعد إصلاحي تقدمي، ربما لم يقصده، في ذلك الحين، حتى هذا الكاتب المسرحي الذي كان يمضي جل وقته في أوساط الطبقات العليا في المجتمع، أنيقاً متحذلقاً متنقلاً منصتاً إلى ما يدور في العلن وفي الخفاء، مستخدماً ما يختزنه لصوغ موضوعات مسرحياته وحواراتها.

ومن هنا، سؤال لا بد لنا من طرحه: ترى، حين كان ماريفو يضمّن أعماله مواقف كثيرة، لا شك في أنها كانت تبدو إصلاحية في بعدها الاجتماعي في نظره، هل كان يدرك، حقاً، أنها جزء من تفكير ثوري اجتماعي حقيقي. هذا التفكير لم يبدأ معه، وهذا صحيح، لكن أعماله تضمنته وأعطته طابع الدعوات الشعبية والتوعية، وإن كان من الصعب تصور أنه كان موجهاً، في الأصل، إلى الجمهور الحقيقي الذي يعنيه: جمهور الشعب العريض.

ومع هذا، فإن تحليلاً واعياً، اليوم، لأعمال ماريفو، سيضعنا من دون شك في قلب السجال الحاد، والذي لا يزال بعضه حياً وصاخباً حتى يومنا هذا، إن لم يكن في المجتمع الفرنسي الذي تجاوز منذ زمن هذا النوع من السجال، ففي الأقل في مجتمعات كثيرة أقل تقدماً. ومن بين هذه المجتمعات، تلك التي استيقظت على فكر نهضوي تنويري في بدايات القرن العشرين، مقروناً بثورة في الفنون، فوجدت أمامها عالماً متكاملاً يمزج الفن بالإصلاح الاجتماعي، فتبنت أنماط مسرحية، إما مستقاة مباشرة من ماريفو وإما محاولةً تقليده، كحال المسرح المصري عند المنعطف الفاصل بين القرن التاسع عشر والقرن العشرين. ولعله من المفيد هنا أن نلاحظ كيف أن ثنايا مسرحيات ماريفو تمتلئ بتأملات (ودعوات حتى) تتعلق بالسجال حول الحقوق السياسية للمرأة، ومسألة المساواة بين الجنسين مسألة الزواج المختلط بين الطبقات الاجتماعية، ومسألة التفاوت في المكانة وفي الثراء بين طبقات مزارعي الأرياف، وتجار المدن والأرستقراطيين ومسألة العلاقة بين السادة والعبيد.

من كل هذه المسائل، كان لماريفو على الدوام موقف متقدم عن زمنه. بل لعله كان موقفاً يساير الفكر التنويري العام الذي كان سائداً لدى المبدعين الواعين في زمنه، من دون أن يدرك، صاحب الموقف، أنه بهذا يشتغل على الذهنيات مهيّئاً إياها للثورة المقبلة. وماريفو، في أي حال، مات قبل قيام الثورة بعقدين في الأقل، ناهيك بأنه كان على خلاف فكري (أو شخصي؟) مع بعض كبار المفكرين والأدباء من الذين دعوا إلى الثورة ومهدوا لها فكرياً. بهذا، قد يمكن أن ينطبق على هذا الكاتب، أن حساسيته أضاءت له الطريق، وليس تفكيره العقلي العميق. ما يجعله شبيهاً بالسيد جوردان في مسرحية موليير «الثري النبيل»، والذي اكتشف لذهوله أنه يتكلم... النثر.

كتب ماريفو طوال مساره المهني، ثلاثين مسرحية هزلية وواحدة مأسوية (لم تحقق أي نجاح)، وذلك خلال فترة تمتد بين عام 1709 وعام 1760. وهذا ما يجعله واحداً من أغزر الكتاب الفرنسيين إنتاجاً. وإذا أدركنا أن العدد الأكبر من مسرحياته لا يزال يُقدَّم إلى اليوم ويلقى جمهوراً متابعاً، يمكننا أن نقول أيضاً أنه المؤلف الذي تقدم أعماله أكثر من غيره، وإن كان من الصعب تصور أي «مفعول ثوري أو إصلاحي» لها. بالأحرى، عادت سيرتها التي كانت لها عند كتابتها: أعمال ترفيهية تقول ذهنية زمانها، أكثر مما تقول ذهنية أي زمن.

ومن بين مسرحيات ماريفو تبرز بخاصة، مسرحية «اعترافات كاذبة» بوصفها الأكثر شعبية، والتي تقدم أكثر من غيرها. ولقد كتبها ماريفو في فترة متوسطة من حياته، وبعد أن كانت شهرته عمت المجتمع وصارت له قدم راسخة. ولعلها الأخيرة بين أعماله الكبيرة، إذ صحيح أنه كتب بعدها نحو عشر مسرحيات. لكن أياً من هذه لم يكن في مستوى يذكّر بالأعمال التي كتبها بين عام 1724 («مفارقة مزدوجة») وعام 1737 (عام كتابة «اعترافات كاذبة»)، وهي الفترة التي سيطر فيها على عمل ماريفو أسلوب يمزج الواقعية الاجتماعية بعالم «الكوميديا ديل آرتي» بما فيها من الحوارات المزدوجة المعنى، وألعاب الأقنعة، والتنقل بين الجنسين، والمقالب التي يساعد الخدم أسيادهم في رسمها لخصومهم، وحكايات الحب ذات المفاجآت والأجواء الرومانسية المزيفة، والزيجات التي ترتَّب ضد إرادة المحبين. وهو عالم يلعب الخدم دائماً دوراً كبيراً فيه. و «اعترافات كاذبة» لا تشذ عن هذه القاعدة. وأيضاً لا تشذ عن القاعدة الذهبية التي كانت سائدة، في العلاقات بين الطبقات الاجتماعية في ذلك الحين: قاعدة المال كعنصر أساسي في المجتمع، والزواج كوسيلة للحصول عليه. وهو ما يصعب أن يدل عليه بوضوح أي تلخيص لهذه المسرحية، لأن أحداثها تدور أصلاً حول حبكة بالغة التعقيد، تتمحور حول دورانت المفلس على رغم كونه متحدراً من أسرة ثرية، وهو واقع في غرام أرامنت، الأرملة الغنية ابنة السيدة آرغانت التي تريد أن ترتب لابنتها زيجة مربحة اجتماعية بالكونت دوريمونت. وبناء على اقتراح دوبوا، خادم دورانت السابق الذي يعمل الآن لدى أرامنت، يطلب دورانت من عمه السيد ريمي أن يوصي به ليعمل وصيفاً في منزل الأرملة الشابة. والعم، ببراءة شديدة، يخبر مارنون، وصيفة أرامنت بأن دورانت مغرم بها، بدلاً من أن يفهم أن ابن أخيه مغرم بالسيدة. في تلك الأثناء، يتولى دوبوا إخبار أرامنت بهيام دورانت بها، آملاً بأن يؤدي ذلك إلى استثارة شعور متبادل بينهما. غير أن الأم السيدة أرغانت، تعرف بحكاية غرام دورانت بابنتها حين تقع صورة للابنة تخص دورانت بين يدي الوصيفة مارنون التي تغضب غضباً شديداً، معلنة أن ذلك الحب من نصيبها، وأن السيدة تريد أن تنتزع منها حبيبها. وعلى الفور، تطلب أرغانت من العاشق الشاب أن يرحل، تاركاً عمله وصيفاً. وهنا تجد أرامنت نفسها مضطرة إلى الإقرار بحبها للشاب، وتقرر الزواج به.

واضح أن هذه الأحداث تشبه أحداث مسرحيات كثيرة تنتمي إلى هذا النوع، غير أن التفاصيل تختلف، والتركيز على العلاقات والحوارات يعطي العمل، نكهة الفضح الاجتماعي لنفاق العلاقات بين الطبقات، لا سيما عبر تلك الحوارات التي أطلق على نوعيتها اسم مقتبس من اسم الكاتب نفسه «ماريفوداج» - وكانت ذات مدلول سيئ في الماضي، وإن كان يشير الآن إلى حوارات متحذلقة ذات دلالة مزدوجة، لا تخلو من رومانسية.

ولد بيار كارل دي ماريفو عام 1688 في باريس التي عاد إليها بعدما انتقل منها طفلاً مع والده. وهو بدأ اهتمامه بالأدب عام 1712، وبدأ ينشر القصص القصيرة التي أدخلته الأوساط الاجتماعية الراقية والحلقات الفكرية، وبدأ يكتب مسرحيات سرعان ما لقيت رواجاً. وهو إلى ذلك، اشتغل في الصحافة، وعاش حياة اجتماعية رفيعة، توجتها علاقته بنبيلة ظلت حاميته (وربما زوجته السرية) حتى نهاية حياته. وماريفو الذي توفي في باريس أيضاً العام 1763، كتب بعض أشهر مسرحيات زمنه على رغم أن تراجيديته الوحيدة «هانيبال» لم ترق لجمهوره.

* نقلا عن "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.