.
.
.
.

ملفات السعودية الخارجية (4) .. الذين أضاعوا القضية

فارس بن حزام

نشر في: آخر تحديث:

عندما وقف العالم ضد هتلر في الأربعينيات، اختار الزعيم الفلسطيني الحاج أمين الحسيني هتلر ضد العالم. انهزم النازي في 1945، فدعم المنتصرون قيام دولة إسرائيل.

وعندما اعتدى الثلاثي "إسرائيل وفرنسا وبريطانيا" على السويس عام 1956، انحاز الرئيس الأميركي إيزنهاور إلى مصر، وأوقف العدوان. انتعش جمال عبد الناصر، وانقلب على واشنطن وتحالف مع موسكو، فدشن رئيس الوزراء الإسرائيلي ديفيد بن غوريون الطريق السريع "تل أبيب ـ واشنطن"، لأنه آمن بأن المستقبل مع واشنطن، وليس لندن.

هذه الخيارات السياسية كانت مفصلية في مسار قيام دولة الاحتلال وتوسعها. لم تكن خيارات سعودية، بل من تولى الملف مباشرة داخل فلسطين وخارجه. اختار الحاج الحسيني، ومن ثم الرئيس عبد الناصر، أن يكونا على جانب الانتصار المتخيل. وما زالت حناجر العروبة رطبة بالتصدي وطرد المحتل. الانتصار أصلاً في "لغة الصمود العربي" يرتبط بالهزيمة. الخسارة وحدها هي المكررة، لذلك لا عيب ولا عار من صنع الانتصار العربي على طريقتنا الخاصة. انتصار الهزيمة أقذر ما يمكن العيش عليه.

لا يقل في خبثه عن ضرر السرطان في الجسد. الفرق الجوهري أنه يتمكن من كل القوة ويحصل على الاستسلام له بمحض الإرادة وببالغ الإصرار عليه. يقويه على ذلك تكذيب الهزيمة وإلحاق العار بالآخر. انتصار الهزيمة شيء شنيع لا يمكن أن تحتمله حتى أقذر كتب التاريخ في سيرة البشر.

طوال العقود الماضية، سعت القوى الفلسطينية إلى رسم دور وحيد للسعودية، وهو أن تتولى الدفع المادي أولاً، والإسناد السياسي عند الطلب. خط الرئيس ياسر عرفات هذا المنهج، بعد انفراده بالقرار السياسي والعسكري، ونقله للملف من الأنظمة الفكرية المتشددة إلى دول الاعتدال.

حافظت السعودية على دورها المساند للقضية الفلسطينية. لم تفرض على السلطة، الممثل الشرعي للبلاد، أي خيار سياسي أو عسكري. احترمت رغبة قادة القضية، بالدعم المادي والإسناد السياسي. فعندما انتفضوا دعمتهم، وعندما نشدوا السلام سهلت مهمتهم، وكانت مع القضية خطوة بخطوة، رغم مغريات السلام المنفرد، الذي سال له لعاب دول عدة في المنطقة.

قدر السعودية كل هذا الحجم، عندما تكبر بحكم مسؤولياتك ومكانتك في السيرورة التاريخية، ليس في محيطك وحسب بل وفي المشهد الأوسع، عليك أن تتحمل حتى نزوات الصغار قبل الأقران. عندما تكون محملاً بالملفات الأضخم، واليوم الواحد في حسابك كدهر في البناء، فيلزمك أن تنشغل بما هو أعلى وأسلم لسقف البيت.

عهدنا هذه المملكة في أعمارنا الصغيرة، وعبر الذاكرة الكبيرة التي انتقلت إلينا، أنها جسورة في سياستها. يصح هذا الحديث فيما لو أتينا على واقع السيرة التاريخية للمملكة، وشرف أن تكون هذه البلاد أرضاً للحرمين، وقائدة لكثير من الموازنات الدولية، التي تصون الأمن والسلم العالمي في منظومة دولية، وحفاظها على "مبادرة 2002" بصفتها الحل الوحيد.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.