.
.
.
.

المزوّر مجرم بلا سلاح

فهد الدغيثر

نشر في: آخر تحديث:

المجرم ليس بالضرورة من يقتل أو يسطو على متجر أو بــنك. عــلم الجريمة يتوسع في تعريف المــجرم ويحدد أنواع الجرائم ومنها بالطبع التزوير مثل تزوير العملات وتزوير الشهادات العلمية أو الحصول على هذه الشهادات من جامعات وهمية بعلم المستفيد وإرادته وتصميمه.


لدي تجربة قصيرة جداً مع الشهادات الوهمية في الثمانينات الماضية، إذ وبحكم السفر المتكرر للمعارض الدولية والدورات المتخصصة إبان عملي في القطاع الخاص وانتشار العنوان والاسم قبل الإنترنت، بدأت أتلقى رسائل بريدية متعددة من مصدر واحد تحمل شعاراً أنيقاً لجامعة في كاليفورنيا لا أذكر مسماها، تتحدث عن منح أي شهادة جامعية أريدها بأي اختصاص مقابل رسوم مالية باهظة. لا يوجد لدي أدنى شك في أن هناك ضعفاء نفس وذمة ليس في المملكة فقط، بل في كل مكان، من تلقى مثل هذه العروض وقبل بها ونال الشهادات وهو جالس في بيته.

اليوم، وبعد مضي أكثر من ثلاثة عقود على انتشار هذه المرض الصامت، وبفضل الجهود الجبارة التي يقوم بها الأخ موافق فواز الرويلي عبر وسم «#هلكوني» في تويتر، تعلن النيابة العامة السعودية إصدار مذكرات توقيف بحق 712 مهندساً يعملون على أراضيها. أفراد حصل عدد منهم على الشهادات المزورة من دول عربية فيما نسب بعضهم تلك الشهادات إلى جامعات عريقة، في الوقت الذي كشفت التحقيقات أن الشهادات مزورة ولا أصل لها. إن ثبت ذلك في المحاكم فأمام هؤلاء عقوبات تصل إلى السجن مدة 3 سنوات إضافة إلى غرامات مالية تصل إلى 300 ألف ريال (80 ألف دولار) بحسب صحيفة «عكاظ». يذكر أن دولة الكويت أيضاً كانت كشفت عن وجود شهادات مزورة في قضية شغلت الرأي العام هناك بعد أنباء عن تورط مسؤولين فيها من بينهم شخصيات بارزة.

أما مصادر هذه «الصناعة» فتعتبر متعددة وعالمية شرقاً وغرباً. غير أن باكستان في طليعة الدول المانحة في هذا الاختصاص. وبحسب سلسلة من التغريدات حول هذا الموضوع، نشر المغرد السعودي أحمد الزهراني عبر حسابه في تويتر معلومات مفادها أن شعيب أحمد شيخ، باكستاني الجنسية، هو العقل المدبر وراء شركة Axact المختصة في بيع الشهادات وتحمل أسماء 145 جامعة وهمية عدا الكليات والمدارس كجامعة «الميدا»، «آشلي» و «نيكسون». باع هذا الرجل آلاف الوثائق المتنوعة من بكالوريوس وماجستير ودكتوراه، بل وحتى تمريض وطب. قبضت السلطات الباكستانية أخيراً عليه وأغلقت مكاتبه وينتظر محاكمته في عدد من الجرائم الأخرى المتصلة كغسيل الأموال وغيرها، هذا بالإضافة إلى ما تسمى الجامعة الأميركية في لندن وغيرها الكثير.

هناك عامل مهم ربما ساعد بطريقة غير مباشرة على تشجيع البعض على شراء شهادة الدكتوراه تحديداً. ذلك هو تلك الوجــاهة الزائــفة التي اخــتص بها العرب دون غيرهم عندما قبلوا بمنح لقب «دكتور» لكل من يحمل شهادة الدكتوراه. الذي كنت أعرفه أن هذا اللقب يطلق على الطبيب فقط لكن وبقدرة قادر أصبـــح يطلق على أي شخص حتى لو كانت رسالته في الدكتوراه تتعلق بموضوعات تافهة لا قيمة لها. المأساة الحقيقية تتمثل في تعامل المــجتمع مع حــملة الدكــتوراه ومساواة هذا «الدكتور» التافه اجتماعياً بطبيب مختص في زراعة الكبد من أعرق الجامعات الطبية العالمية.

الأسئلة الملحة هنا، هل نكتفي بالقبض على المزور وكف يديه عن العمل من دون الإعلان عن هويته؟ هل يعتبر الكشف عن هوية هؤلاء تشهيراً بهم من دون حق أم حماية للمجتمع من شرورهم؟ أليس المتهم بريئاً حتى ثبوت الإدانة؟ هنا نجد أنفسنا أمام قضية أخرى تتمثل في نوعية الردع لهؤلاء وغيرهم ممن يمارس أنواعاً أخرى من الأذى مثل من يتسبب بوجبة تسمم في مطعم أو من يختلس مالاً كرشوة في عقود بناء مشروعات. في الغرب لا يجد النائب العام هناك أي حرج في إعلان هوية المتهم بمجرد القبض عليه طالما أن القوانين تتيح لهذا المتهم الدفاع عن نفسه. أجزم بأن عدم الخوف من التشهير في مجتمعنا قد ساهم بطريقة أو بأخرى في رفع مستوى الجرأة لدى من أقدموا على هذه الجرائم.

* نقلاً عن "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.