.
.
.
.

ملفات السعودية الخارجية (9).. أموال الرياض في جيب ترمب!

فارس بن حزام

نشر في: آخر تحديث:

العلاقة بين الرياض وواشنطن شيء، وصورتها لدى العرب شيء آخر. فالصورة السلبية ناتجة عن عقود من حملات إعلامية مكثفة قادتها أنظمة فكرية لها شكل دول، ومن ثم تحولت إلى وسيلة للصراع السياسي والمناكفة. وفي يومنا هذا، نجد أن الذين يشنون الحملات المكثفة على علاقة الرياض بواشنطن، هم الأكثر سعياً للحصول على شراكة مماثلة.

دوماً الشراكة الفعلية تواجه الكثير من القدح والذم، خاصة في ذهنية بعض العرب، طالما أنها علاقة دولة عربية فتية بدولة تقود العالم. كان قدر السعودية وما زال هو اختيار الحلفاء الأقوى، بينما ذوو الملفات السوداء يرون أن تلك العلاقة تأتي على هامش التبعية والانقياد والطاعة العمياء. ولسان التاريخ يقول غير هذا تماماً. جاء الأميركيون بدعوة الملك المؤسس عبدالعزيز - طيب الله ثراه - ليرشدوا بلاده وشعبه إلى الكنز الأعظم حينها. استخرجوا الذهب الأسود عندما فشل البريطانيون أو تراخوا. تقاسمت السعودية مع الأميركيين الاكتشاف مالاً وقوة. وذلك جزء من تبادل المصالح، ودفع تكاليف عملهم مع السعودية، إلى أن تم تأميم شركة النفط أرامكو، من دون دعاية سياسية ولا خطابات إذاعية ولا صراخ عربي تمتاز به الشعارات العربية من الخمسينيات إلى اليوم.

لقد شكلت العلاقة بين البلدين نموذجاً فريداً، فلم تتنازل الرياض عن سيادتها، ولم تفرط بقضية العرب الأزلية فلسطين، بل بقيت هذه القضية الملف الخلافي الوحيد والدائم، في مقابل تأييد سياسي كبير من واشنطن للرياض في ملفاتها الكبرى في المنطقة، كالعلاقة مع إيران، والحرب في اليمن، ومواجهة التطرفين السني والشيعي. هذا هو الرئيس ترمب الذي يعنينا في المنطقة، أما ما يقوله ويقرره داخل أميركا، فلا يعنينا مطلقاً. لا تعنينا مشاكله مع إعلام بلاده، ولا خلافاته مع فريق عمله، ولا صراعاته مع جيرانه.

وللإشارة فعدد الخلافات الأساسية غيرها في تسعة عقود لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة، مثل مصر في 1973، وإرسال مقاتلات جوية من دون تسليح عام 1979، والصواريخ الصينية عام 1988، وتوقيع الاتفاق مع إيران 2015، وهي أقل من أية خلافات جرت مع الأشقاء العرب.

يبقى أن قضية فلسطين ركيزة مفتعلي الهجوم على الرياض، رغم أنها لم تطبع مع المحتل، ولم تشق صفوف الفلسطينيين، بل سعت إلى مبادرات تحفظ حقوقهم وتعيد قيام دولتهم، مثل مشروع الملك فهد للسلام في فاس عام 1981، وتجديد صيغتها عبر مبادرة الملك عبد الله في بيروت عام 2002.

لقد تلقت الرياض سهاماً دامية بسبب القدس، مبنية على تشويه المواقف والسمعة. وطالبها فلسطينيون بموقف أكثر تشدداً مع واشنطن، وفي مفهومهم أن تقطع السعودية علاقتها بأميركا. لكن في الوقت نفسه، نجد أن الفلسطينيين يتصدرون العرب المقيمين فيها والحاصلين على جنسيتها بنصف مليون مواطن، ونجدهم أكثر العرب التحاقاً بجيشها. وعليه إذا تخلى الفلسطينيون عن الجواز الأميركي وانسحبوا من جيشها، عندها يحق مطالبة الرياض بقطع العلاقات مع واشنطن.

من الأهم أن نراجع ونستدرك باستمرار، أنه لا توجد دولة عاقلة تفرط بمصالحها الكبرى لأجل ملف خلافي واحد. سيقول الكثير إنه ملف "المصير المشترك"، ولكن هل يمكن أن تعبث بالملف المصيري، الذي يحتاج كل التحالفات وأهمها؟ وما يجدر التوقف عنده، مقارنة حال السعودية وحال دول المنادين بقطع العلاقات مع أميركا. السعودية، التي تبني منذ تسعين عاماً، أخذت من أميركا العلم والمعرفة والابتكار والتكنولوجيا والصناعة والفضاء، وكل ذلك بأعلى جودة، وتعاونت معها ومع غيرها لتجعل اقتصادها في مقدمة دول العالم. ولذا عندما تقرر دولة نامية الانطلاق إلى المستقبل، فهذه الرحلة المناسبة. العالم الأول اختار أن يستثمر في أميركا، فالصين ضخت نحو تريليوني دولار، ومثلها فعلت اليابان، وبقية الدول الناجحة، ولذا وضعت السعودية نحو تريليون ونصف دولار.

وفي هذا الجانب، وعندما أبرمت الصفقات التجارية الكبرى بين الرياض وواشنطن، كانت أسطوانة التشويه العربية تردد أن ترمب نهب السعودية، فيما الواقع باختصار، أنها أموال تستثمرها الرياض منذ سنوات بعيدة، وتحقق عوائد محدودة جداً، فجرى تدوير بعضها لتحقيق عوائد مضاعفة بالاستثمار في قطاعات جديدة. وهنا استفادت المملكة بربح أكبر عبر الاستثمار في التقنية والمستقبل، إضافة لنقلها إلى المملكة، واستفاد الرئيس بتنشيط اقتصاد بلاده وخلق وظائف جديدة.

أذكر عندما قرر المخرج الأميركي مايكل مور مهاجمة السعودية في فيلمه عن اعتداءات سبتمبر، انتقد وضع حراسة خاصة من البيت الأبيض على مقر السفير الأمير بندر بن سلطان، وأبدى خشيته من قوة استثمار السعودية في بلاده. أراد بذلك الذم، فكال المديح من حيث لا يقصد.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.