.
.
.
.

الرجل الذي يرفض أن يقول "الرئيس ترمب"!

ممدوح المهيني

نشر في: آخر تحديث:

يلح الصحافيون وأصدقاء جون برينان، المدير السابق للمخابرات الأميركية، عليه ليقول "الرئيس ترمب" وليس "السيد ترمب"، كما يردد، ولكنهم فشلوا في انتزاعها من فمه. لم يستطع برينان أن يعض على لسانه ويقبل الأمر الواقع وقرر بدلاً من ذلك مناداة ترمب باسمه كما ينادي العاملون في البارات والمطاعم. ولكن إذا كان بمزاج عدائي، وهو غالباً ما يكون على هذا الحال مع الرئيس الأميركي، فإنه يلحق اسم ترمب بشتائم مثل ترمب الكاذب وترمب المختل وآخرها ترمب الخائن، بعد اللقاء الذي جمعه مع كيم جونغ أون.

يعبر موقف بيرنان هذا عن الكراهية المريرة التي يكنها لـ"السيد ترمب" لدرجة عدم الاعتراف به رئيساً. فهو يقول إنه رجل لا يستحق هذا الشرف ولا الجلوس على كرسي سبقته إليه شخصيات عظيمة. وقد يبدو هذا أمرا عاديا من مواطن بلا مناصب ولكن عندما يعلنها الرئيس السابق لجهاز الجاسوسية الأقوى في العالم فإنها تثير الشكوك. ومن الطبيعي أن يُطرح السؤال: هل يعرف هذا الرجل المهم الذي تنصتت جواسيسه على هواتف الأميركيين معلومات سرية عن ترمب تجعله يحمل له هذا الكم من الاحتقار ولا حتى يعترف برئاسته؟

حتى هذا اليوم لم يقدم أي شيء موثوق ومن المؤكد أنه لو كانت لديه مستمسكات على ترمب كان قد قدمها قبل وقت طويل وتخلص منه. ولكن برينان يدرك أكثر من غيره أنه لا يوجد هناك دليل دامغ، ولكنه ليس ساذجاً ليغلق التحقيق ويعلن براءة خصمه. هدفه أن يواصل الاتهامات في الإعلام وحسابه الغاضب في تويتر بدون أن يثبت، ويخلق حالة من الشكوك والشبهات والادعاءات التي قد تكون مضرة أكثر من الحقائق.

وبحكم عمله الطويل في عالم الظلام يدرك برينان قوة تأثير الشائعات والمؤامرات على عقول الناس. ومن غير المستبعد أن كل التسريبات عن علاقة ترمب بالعاهرات والتسجيل الصوتي له كان هو وراءه أو أحد رجاله. والأكيد أن برينان هو الرجل الذي أطلق زوبعة عن علاقة سرية مشبوهة بين ترمب بالروس. وصله تقرير استخباراتي بريطاني غير موثوق عن علاقة لترمب بروسيا وطرح للتداول في دوائر الأجهزة الأمنية والاستخباراتية وسرب بعدها للصحافة، ومن حينها تشكلت السحابة السوداء التي تلاحق الرئيس في كل مكان ولن تتركه حتى آخر يوم بحكمه.

يسعى برينان بكل وسيلة ويتحين أي فرصة للانقضاض على الرئيس الأميركي لأنه يمقته بشدة على المستوى الشخصي والأخلاقي. وفي جلساته الخاصة لا يتردد برينان بالتلفظ عليه وازدرائه واعتباره بلا أخلاق ولا مبادئ مدللا بذلك على علاقاته النسائية وحتى زيجاته المتكررة. "هذا الرجل تزوج ثلاث مرات!"، هكذا تهكّم برينان مرة على ترمب في إشارة إلى عدم احترامه للنساء ومعاملتهن كقطع اللحم واستبدالهن كالدمى.

ويلعب برينان دور كلب الحراسة الذي يحمي المؤسسات الاستخباراتية مهدداً بعضّ ترمب بعد هجومه العنيف عليها واتهامه تلك المؤسسات بملاحقته كما تلاحق الساحرات في القرون الوسطى. وهذا صحيح فبرينان يقود فريقاً من المسؤولين الاستخباراتيين السابقين مثل جيمس كومي وأندرو ماكيب وجيمس كلابر، يهددون بمعاقبة رئيسهم الذي لا يعترفون به.

وهذا تصرف نادر حيث يفضل المسؤولون السابقون الصمت والانزواء وعدم انتقاد المسؤولين الحاليين تجنباً لإحداث الشقاق والفوضى داخل المجتمع. ولكن قواعد اللعبة تغيرت تقريبا منذ عام وتسعة أشهر، فرؤية ترمب طريدا مدحورا وربما مكبلا بالأغلال أهم من كل التقاليد العريقة والأعراف غير المكتوبة.

الصدام بين بيرنان وترمب حدث بسبب أيضا الخلاف في الطبائع الشخصية والميول السياسية. ترمب رجل مال وبرينان رجل حكومة. ترمب يعمل في العلن وبرينان يعمل في الخفاء. ترمب يستخدم الدين فقط ولكنه منزوع من صدره (يقال إن ترمب في حفل تنصيبه فكر أن يقسم على كتابه "فن الصفقة" بدل الإنجيل)، وبرينان كان تقياً في صغره وفكر أن يكون قساً. ترمب لعوب وعاشق للنساء وبرينان مخلص ورجل الزوجة الواحدة. ترمب يخدم نفسه وبرينان يخدم حزبه. ترمب لم يهتم بالسياسة إلا مؤخرا وبرينان قرر في شبابه التصويت لمرشح شيوعي للرئاسة الأميركية كردة فعل على انزعاجه من فضيحة ووترغيت. ترمب اجتماعي وأبهر الجميع بقدراته على تحريك الجماهير وبرينان متخشب بوجه ملاكم عديم الرحمة. ترمب واقعي وبلا مبادئ وبرينان متصلب إيديولوجيا وواعظ أخلاقي. بسبب شخصية ترمب الظريفة التي لا تؤخذ كثيرا على محمل الجد لا يتوقف الكثيرون عند أكاذيبه ولكن برينان وبسبب طبعه الجاف، يردد بحماسة أقاويل منافية للعقل تصوره بشكل رجل مضطرب يعاني من العته.

سبب آخر لكراهية برينان لترمب رجل آخر اسمه أوباما. فالرجلان وقعا في حب بعضهما من اللقاء الأول. يشتركان في رؤيتهما للعالم المصبوغة باللون اليساري. يقول أحد التقارير إنهما انسجما فكريا وكيميائيا مع بعضهما لدرجة أنهما يكملان جمل بعضهما البعض. ولكن لكل شخص منهما رأى في الآخر شيئا مفيداً له على نحو ما. برينان الذي تبرع لحملة أوباما بالحد الأعلى المسموح، رأى في ذلك الشاب الصاعد تجسيدا لرؤيته السياسية المعارضة للسائد. وأوباما بلا خبرة سياسية، احتاج تجربة برينان الطويلة في الحكومة ومعرفته خصوصاً بالمجتمع السري للاستخبارات حتى أصبح حامل رسائله إلى هذا العالم. برينان هو المهندس الحقيقي لمشروع طائرات الدرونز التي تقنص الإرهابيين في اليمن وأفغانستان وهذا من أكبر نجاحات أوباما في الحرب على الإرهاب رغم ما أثاره من شكوك أخلاقية. وبالطبع قدم له أكبر فريسة وهو مقتل زعيم القاعدة بن لادن (كان حينها مساعدا للرئيس لشؤون مكافحة الإرهاب). برينان كان العضلات التي يحتاجها أوباما المنظم الاجتماعي السابق ونجح في الاستعراض بها.

وإذا كان برينان واقعا إلى هذه الدرجة في غرام أوباما وأفكاره ورؤيته للعالم، فمن الطبيعي أن يكره ترمب الذي ألقى كل إرث أوباما في النار ويسعى لتحطيمه. هل يستطيع؟ من المستبعد حالياً مع ازدهار الاقتصاد ولكن برينان لن يتوقف عن حملات التشويه المضادة ولن ينطق أبداً بكلمة "الرئيس"، حتى لو أعاد ترمب أميركا لعظمتها من جديد، كما وعد أنصاره.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.