.
.
.
.

هواردز إند لفورستر:التشابكات الطبقية ببريطانيا المنتهية

ابراهيم العريس

نشر في: آخر تحديث:

لا يعتبر السينمائي الأميركي جيمس آيفوري عادة، واحداً من السينمائيين ذوي الحظوة لدى جمهور عريض ما. كان نخبوياً بالأحرى هو الذي اختار في مساره السينمائي منحى أوروبيا ساعده على الاحتفاظ به منتجه الهندي إسماعيل ميرشنت، كما كاتبته الهندية أيضاً، روث براور جابفالا. كان الثلاثة راضين بـ «قسمتهم» متمكنين من فنهم يعرفون كيف يختارون بعناية مواضيع أدبية عميقة المغزى وإن كانت تتسم بصعوبة ما، ومن هنا حين حققت أفلام الثلاثية التي اقتبسوها من روايات للإنكليزي فورستر نجاحاً لا بأس به كانوا هم أول من دُهش. بل أن آخر أفلام الثلاثية «هواردز إند» كاد يعتبر فيلماً شعبياً بفوزه بأوسكارات عدة وجوائز أخرى خاصة نالها سيناريو الفيلم وبطلته إيما طومسون. وعلى رغم أن الثلاثية اقتبست من الكاتب نفسه الذي اقتبس منه دافيد لين الفيلم التاريخي الضخم «ممر إلى الهند»، فإن كلاً من أفلام الثلاثية اتسم بحميمية فائقة تجعل من الصعوبة بمكان ربطه بـ «ممر إلى الهند». والحقيقة أن ما يمكن استخلاصه من هنا هو انتقائية فورستر نفسه، وتنوّع مواضيعه، إلى كونه يقدم صورة مثالية على تغيّر يطاول مبدعاً ما، بين مرحلتين من حياته ومساره، كما سوف نرى بعد قليل.


> وإذ نتوقف هنا عند رواية «هواردز إند» في شكل خاص، وهي تلك التي كتبها فورستر أواخر العقد الأول من القرن العشرين، وحُوّلت إلى فيلم بعد ذلك بأكثر من ثمانين عاماً، نجدها قريبة إلى حد ما من روايات جين أوستن المتمحورة حول التفاوت الطبقي الإنكليزي- وهنا لدى فورستر في بريطانيا الإدواردية-. وهنا إذ تدور الحبكة من حول ثلاث عائلات تنتمي ظاهرياً لطبقات متساوية: آل ويلكوكس الأثرياء المحافظين اجتماعياً وسياسياً، وآل شليغل، ممثلين بثلاث صبايا حسناوات مثقفات من أصول ألمانية- عقلانية- إنكليزية، تتسم بصفات شديدة القرب مما كانت تتسم به مثقفات جماعة بلومزبري التي كان فورستر نفسه من روادها، بالقرب من أفكار الاشتراكية الفابية، وأخيراً آل باست المكافحين... وكل هذه العائلات وهؤلاء الأفراد يتحلقون من حول البيت الريفي الرائع المعروف باسم هواردز إند،- وهو يبدو هنا مستقى من منزل ريفي حقيقي كان فورستر نفسه يعيش فيه زمن صباه المبكر من دون أن يعني هذا أن الرواية تنتمي إلى السيرة الذاتية-. والحقيقة أن هذه الخلفية التي ترتسم «أحداث» الرواية عليها، لا تخلق عملاً تشويقياً أو تخييلياً بالمعنى الذي كان سائداً في الأدب الإنكليزي أيام كتابة فورستر لها، بل تخلق عالماً من العلاقات التي تتفاعل بين الفئات الثلاث لتصوّر في نهاية الأمر ذلك المجتمع البريطاني الذي كان يعيش تقلباته في تلك المرحلة. وهنا من دون أن يفوتنا أن «أحداث» الرواية تجرى على مدار سنوات عدة، يمكننا أن نتفهم كونها تصوّر، ليس حقبة معينة من تاريخ بريطانيا الحديث، ولكن حراك زمن متغيّر تحل فيه طبقات مكان أخرى، وتتحرك فيه الشخصيات تبعاً لوعيها المتجدد أكثر بكثير مما تتحرك تبعاً لجذورها الاجتماعية. ولعل هذا ما يضفي على الرواية، من ناحية، سحرها، ومن ناحية أخرى صعوبة أفلمتها.

> بشكل أو بآخر يعتبر إدوارد م. فورستر، النقيض الأدبي لمواطنه رديارد كبلينغ، على الأقل في مجال نظرة كل منهما إلى القضية الاستعمارية، وإن كانا يكملان بعضهما البعض بمعنى من المعاني. ففي الوقت الذي كان كبلينغ ينظر إلى بلاد الشرق وشعوبها نظرة استعلائية يعبر عنها شعاره الشهير «الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا»، كان فورستر يرى أن اللقاء ممكن في نهاية الأمر، وأن التناقض الأساسي ليس بين الكيانات الجغرافية بل بين الحالات الذهنية: بين أولئك الذين يتصرفون تبعاً لما تمليه عليهم غرائزهم واندفاعاتهم الطبيعية، والآخرين الذين لا يتصرفون إلا تبعاً للمواثيق الاجتماعية. ونحن لو قرأنا روايات فورستر وكتاباته الأخرى، ولو تابعنا مسيرة حياته، أدركنا أنه إنما كان ينتمي إلى الصنف الأول، وأن هذا ما وضعه على تناقض مع أبناء جلدته الإنكليز، وقرّبه إلى الأوروبيين المتوسطيين، ولكن- بخاصة- إلى الشرقيين، فكانت صداقاته الأساسية وتطلعاته في الهند وفي مصر، البلدين اللذين عرفهما جيداً وكتب عنهما.

> ومع هذا، حين بدأ إدوارد فورستر المولود في أول عام 1879، بالكتابة، لم يكن ليتوقع له أحد أن يكون ذا مصير أدبي كبير، أو أن يخرج عن نطاق السائد البريطاني. فهو ولد في بيئة عادية ودرس في كامبريدج. ثم كانت زيارة أولى قام بها إلى إيطاليا فاتحة تبدّل كبير في حياته. فهو كان يزداد ضخامة وأهمية بمقدار ما كان يتجه شرقاً، ووصل إلى ذروته مع زياراته المتكررة إلى الهند.

> لم يكن من قبيل الصدفة، بالطبع، أن يأتي المخرج السينمائي الأميركي جيمس إيفوري منذ سنوات الثمانين، وبعد عقد من رحيل فورستر في حزيران (يونيو) 1970، ليحقق اقتباساً عن أعمال هذا الأخير، ثلاثيته السينمائية الشهيرة: «غرفة مع منظر»، «موريس» و «هاواردز إند». كما لم يكن من قبيل الصدفة أن تشعل روايته الشهيرة «ممر إلى الهند» الأساس الذي قام عليه واحد من أجمل أفلام المغامرات الإنكليزية في سنوات الثمانين. فهذه الأعمال- التي كتبها فورستر في مراحل متفرقة من حياته- عرفت كيف تمزج بين العواطف الإنسانية واحتدام الصراعات وبزوغ المعطيات الجديدة: التقلبات التحررية المتواكبة مع زمن انهيار الأحكام المسبقة وبقايا الذهنيات الاستعمارية. ومن هنا يمكن القول إن نصوص فورستر كانت مسؤولة مسؤولية كبيرة عن نجاح هذا النمط من الأفلام، وعن تألق نوع معين من الذهنيات.

> غير أن هذا الانتصار اللاحق، لم يكن انتصار فورستر الوحيد، ولم تكن السينما هي الأداة الوحيدة التي عرفت كيف تعطيه مكانته وتعيد إليه اعتباره، بعد أن كان قد نُسي طوال الفترة التالية على اندلاع الحرب العالمية الثانية. إذ إن من يقرأ رباعية لورانس داريل الاسكندرانية، لن يفوته مدى تأثر كاتبها بكتاب آخر لفورستر عنوانه «الاسكندرية: تاريخ ودليل». فالحال أن داريل ما كان ليمكن أبداً أن يكتب رباعيته لولا أن فورستر كان قد مهد له الطريق بهذا الكتاب الذي وضعه في 1922، بعد زيارة لمصر وإقامة فيها جعلتاه يهتم بهذا البلد اهتماماً خاصاً، في وقت كان يستعد لكتابة رائعته «ممر إلى الهند» (1924). والكتاب أتى على شكل سرد تاريخي لرحلة مدينة الاسكندرية على مر العصور، ثم على شكل دليل يتحدث بالتفصيل عن شوارع المدينة وأحيائها ومعالمها الحضارية. ولسوف يقول داريل لاحقاً إن قراءته هذا الكتاب (الذي يلعب الشاعر كافافي دوراً كبيراً فيه) هي العامل الأول الذي حفزه على مغامرة كتابة «الرباعية».

> مهما يكن فان كتاب «الاسكندرية» كان كتاباً عارضاً في مسار فورستر، الذي كانت مواهبه الأدبية قد تجلت بعد زيارته المبكرة لإيطاليا حيث كتب روايته الأولى «هناك حيث تخشى الملائكة الوصول» (1905)، ثم كتب بعد ذلك نصوص ذكريات عن طفولته الإنكليزية، ثم «غرفة مع مشهد» قبل أن يكتب مسرحية لم تكتمل أبداً عنوانها «في قلب البوسنة». وهو في ذلك الحين تعرف إلى نبيل هندي مسلم يدعى سيد روس مسعود صار مدرساً له ثم دعاه إلى الهند التي شغف بها منذ وصوله إليها ووجد في الكتابة عنها، ثم عن عوالم الشرق عموماً، ما يستكمل لديه كتاباته السابقة التي كان يتعمد فيها السخرية من نمط الحياة البريطاني، عن طريق وصفه لمشاكل البريطانيين السيئة في الخارج.

> إذن، منذ زيارته للهند تبدّلت حياة فورستر، ثم ازداد هذا التبدّل خلال زيارته لمصر كعضو عامل مع الصليب الأحمر الدولي. وهو لئن توقف عملياً عن كتابة الروايات منذ نهاية سنوات الثلاثين فإنه لم يتوقف مع ذلك، وحتى وفاته في 1970 عن المشاركة في الشؤون العامة، لا سيما عن النضال ضد أنواع الرقابة، وعن المشاركة في النشاطات كافة التي هدفت إلى نيل المستعمرات البريطانية استقلالها، ناهيك عن عمله من أجل تخليص مواطنيه الإنكليز من مركّبات العظمة الكاذبة، وجعلهم يوقنون أنهم لم يعودوا، لا سيما بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، أبناء إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس. وحين مات فورستر كان قد بات شبه منسي، لكن اهتمام السينما، لا سيما سينما جيمس إيفوري بأعماله، أعادته إلى واجهة الاهتمام، وذكّرت بكم أن الأدب لعب دوراً في أحداث تلك التبدلات الذهنية الكبرى في القرن العشرين.

*نقلا عن "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.