.
.
.
.

فاجباي.. زعيم هندي لا يُعوض

د.عبد الله المدني

نشر في: آخر تحديث:

خسرت الهند في 16 أغسطس المنصرم رئيس وزرائها الأسبق «أتال بيهاري فاجباي»، أحد أكثر زعمائها احتراماً بعد بطل الاستقلال «جواهر لال نهرو». وفي هذا السياق، يكفي الاستشهاد بما قاله عنه خصمه رئيس الوزراء السابق الدكتور «مانموهان سينج» من أنه «خطيب ممتاز، وشاعر رائع، وبرلماني بارز، ورئيس وزراء عظيم»، كما يكفي التذكير بأن الأمة الهندية اتخذت من يوم ميلاده في 25 ديسمبر يوماً للحكم الرشيد، ومنحته أعلى أوسمة البلاد «جوهرة الهند»، هذا ناهيك عن كونه ضمن القلة من ساسة الهند الذين لم يتلوثوا بالفساد.

امتد التاريخ السياسي للرجل الذي ظل عازباً حتى وفاته، إلى 4 عقود، نال خلالها عضوية البرلمان الاتحادي تسع مرات، وعضوية البرلمانات المحلية مرتين، كما تزعم المعارضة البرلمانية لسنوات. وفي عام 1996 صار رئيساً للوزراء للمرة الأولى لمدة 13 يوماً فقط، ثم تولى زعامة الهند لأشهر عدة ما بين عامي 1998 و1999، لكنه استطاع بعد ذلك أن يفوز في الانتخابات العامة على رأس «حزب بهاراتيا جاناتا» ويصبح رئيساً للوزراء لفترة كاملة امتدت من 1999 إلى 2004.

ولد فاجباي في ولاية جواليور سنة 1924 لأسرة متواضعة كان ربها يعمل في سلك التدريس، وبدأ نشاطه السياسي في سن المراهقة عبر الالتحاق بالتنظيمات الشبابية المحاربة للبريطانيين، فدخل المعتقل مرات عدة. لاحقاً استهوته الأفكار الشيوعية فمال نحو أحزابها، لكنه سرعان ما تركها لما اتضح له أن الشيوعيين الهنود لا يمانعون فكرة تقسيم الهند. وبسبب انشغاله الدائم بالسياسة، وتغيبه المستمر عن دراسته في كلية الحقوق والعلوم السياسية، فصلته الكلية، فاتجه للعمل كمحرر لمطبوعة سرية تابعة لحركة «RSS» المتطرفة، وهي الحركة التي أنجبت لاحقا معظم رموز «بهاراتيا جاناتا». هنا بدأ الانعطاف الحقيقي في حياة وأفكار فاجباي السياسية، فعمله في مطبوعة لحركة ترفع شعارات قومية هندوسية متطرفة، ووسط جماعات لا تخفي إعجابها بقادة الحركات الفاشية الأوروبية وممارساتهم، علاوة على حماسه الشبابي وبحثه عن دور ما، دفعه إلى تشرب أفكار الحركة والانخراط بها وارتداء بذلاتها الكاكية والانتظام في طوابيرها الرياضية/القتالية. وكنتيجة للعار الذي لحق بالحركة جراء إقدام أحد منتسبيها على اغتيال المهاتما غاندي، ورغبة منها في دخول البرلمان غيرت اسمها إلى «حزب جانا سانغ»، ودخلت انتخابات 1957 بعدد من المترشحين، كان من بينهم فاجباي الذي تمكن من حصد مقعد له ليظل نائباً برلمانياً لسنوات طويلة، يعارض ويجادل لكن دون أن يحقق شيئاً في ظل هيمنة القادة التاريخيين لحزب «المؤتمر» على الساحة السياسية.

في السبعينات ألقت به أنديرا غاندي كغيره من معارضيها في المعتقل على إثر إعلانها قانون الطوار، ليعود ويخرج من سجنه، ويساهم مع غيره في إقامة تحالف ما بين «جانا سانغ» وعدد من قوى المعارضة تحت اسم «جاناتا دال» (حزب الشعب)، وهو الحزب الذي تمكن في عام 1977 بقيادة «موراجي ديساي» أن يلحق أول هزيمة بـ «المؤتمر»، ويطيح زعيمته أنديرا غاندي. وعلى إثر ذلك، دخل فاجباي في حكومة ديساي الائتلافية كوزير للخارجية، لكنه لم يهنأ بالمنصب طويلاً. إذ سرعان ما أطاحت الخلافات السياسية داخل «جاناتا دال» بالحكومة في نهاية عام 1979، لتجري انتخابات جديدة سنة 1980 ولتعود غاندي إلى السلطة بتخويل شعبي كاسح. تسبب هذا التطور في إحباط فاجباي ورفاقه، فقرروا في العام نفسه إطلاق «حزب بهاراتيا جاناتا» بقيادة فاجباي كبديل لحزب جانا سانج.

بسبب الأداء الباهت لبهارتيا جاناتا في الانتخابات التالية، تمت الإطاحة بفاجباي كزعيم للحزب لمصلحة زميله المتشدد «لال كريشنا أدفاني» الذي راح يدغدغ عواطف الأغلبية الهندوسية بوعود متطرفة، ويستخدم قضية بناء معبد الإله رام على أنقاض المسجد البابري في أيوديا كورقة انتخابية، فيما ظل فاجباي معترضاً على توجهات أدفاني. ولقد أثبتت الأيام، والحوادث الدموية التي أعقبت عملية هدم المسجد البابري صحة مواقف فاجباي لجهة استحالة تطبيق برامج حزبه دون إسالة بحر من الدماء، وهو ما دفع بهاراتيا جاناتا بضغط من فاجباي إلى مراجعة طروحاتها والظهور بمظهر أقل صدامية.

في السنوات التي حكم فيها بلاده، شهدت الهند والساحة الدولية أحداثاً مهمة استطاع الرجل أن يتعامل معها بذكاء وبراجماتية مستثمراً فيها تجاربه السياسية المتراكمة ونضجه الحزبي، وأن يثبت من خلالها أن الهند تبقى كما كانت دائماً بلداً محباً للسلام، يستلهم في حركتها مبادئ المهاتما غاندي بغض النظر عمن يحكمها. وهو لئن فاجأ العالم سنة 1998 بإجراء سلسلة التجارب النووية التي أدخلت بلاده فعلياً في النادي النووي، فإنه أطلق مبادرة مهمة للسلام مع باكستان، وهي المبادرة التي سميت بدبلوماسية الحافلات كناية عن ذهابه بنفسه في حافلة للالتقاء بنظيره الباكستاني الأسبق نواز شريف في فبراير 1999 في المنطقة الحدودية الفاصلة بين بلديهما بمقاطعة كشمير المتنازع عليها. وخلال ولايته وقعت أحداث كارجيل الموصوفة بنصف حرب سنة 1999، لكنها شهدت أيضاً لقاء القمة التاريخي في أجرا بينه وبين نظيره الباكستاني برويز مشرف في يوليو 2001.

* نقلا عن "الاتحاد"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.