.
.
.
.

مجد ماكين وغلطته القاتلة

ممدوح المهيني

نشر في: آخر تحديث:

يتحدث السيناتور الراحل، جون ماكين، عن الوطنية وقيم التضحية الفردية في سبيل الأمة، ولكنه أيضا - كغالبية البشر - لا يهتم لها كثيراً إذا تعارضت مع مصالحه الذاتية، خصوصاً إذا كانت بحجم أن يصبح رئيساً لأميركا.

هذا ما حدث بعد أن رشَّح سارة بالين، حاكمة ولاية ألاسكا حينذاك، لتصبح نائبته خلال حملته الانتخابية. اختارها فقط لسبب واحد، لكي تكافح بريق النجومية الإعلامية الكاسحة لمنافسه الكاريزمي، باراك أوباما. ماكين المسن وقصير اليدين يملك التاريخ وليس الحاضر، ووسائل الإعلام الحديثة تبحث عن نجوم اليوم وليس أبطال الماضي. وليسدَّ هذا الفراغ اختار امرأة جميلة ترتدي الأزياء البراقة لجلب الأضواء لحملته وحَرْف بعضها عن خصمه، ولكنه كان خطأ قاتلاً. "كيف يمكن أن يأتمن شخصية كتلك المرأة الساذجة على أميركا، فيما لو تعرض هو لمكروه أو مات، وهو احتمال وارد بحكم سنه". هكذا قال ناقدوه ومن بينهم شخصيات جمهورية عتيدة مثل ديك تشيني، الذي قال إن موافقته على جعل بالين نائبه مؤشر على افتقاده الحصافة، ودليل على عدم صلاحيته لأن يكون رئيساً.

وتبين أن بالين أضرته كثيراً ولم تنفعه. فقد كانت هدفاً سهلاً للإعلام الليبرالي الذي أوقعها بالفِخَاخ مراراً (المذيعة كاتي كوريك سألتها سؤالاً بسيطاً عن المجلات التي تقرأها فتلعثمت ولم تجب، ما أظهرها بصورة الجاهلة)، وقد حاول ماكين التصدي لمحاولات الإيقاع مستفيداً من خبرته في المبارزات مع الساسة والصحافيين، ولكنه عجز عن أن يوقفها على قدميها.

بالين كانت انتهازية ذكية واستفادت من ماكين، في الوقت الذي كان حلمه يتهاوى أمام عينيه للمرة الثانية. فقد حوَّلت الفرصة كلها إلى شيكات مالية، وأغلفة مجلات وكتب وبرامج ومقابلات وبرامج واقع عن الصيد جلبت لها الملايين. يقال إن ماكين تألم وندم بشدة على قراره الذي يعد أحزن محطات حياته، بقعة سوداء لطخت صورته كرجل نبيل يقدم وطنه على نفسه.

ولكن هناك محطات أخرى مجيدة وسعيدة هي ما ستشكل إرثه في نهاية المطاف، وهي التي جعلت رحيله خبراً عالمياً. ففي شبابه وقع ماكين الطيار أسيراً بأيدي الفيتناميين الشماليين لخمس سنوات. وعُذِّب وجُوِّع وكُسِرت ذراعُه وضلوعُه مراراً وأُهِين، ولكنه خرج من الأسر بطلاً في أعين الأميركيين لم يفشِ الأسرار ولم يخن أخوة الجيش. وقد كتب عن أصناف التعذيب في السجن الفيتنامي الذي استعار طرق سجون القرون الوسطى، بما فيها الأغلال الثقيلة التي يجرها السجين بقدميه. كما يعد موقفه من الثورة السورية من أنبل المواقف، ولو كان ماكين رئيساً فمن شبه المؤكد أن سوريا كانت اليوم مختلفة عن ما هي عليه الآن. فقد كان صوت الضمير الذي لم يسكت عن المجازر المروعة التي ارتكبها نظام الأسد والميليشيات الإيرانية.

قرَّع ماكين رئيسه أوباما أخلاقياً، وذَكَّره بصور جثث الرضع المروعة الملفوفة بالأكفان، ولكن كل محاولاته فشلت. وقد كان ماكين رجل النظام الدولي العالمي ويدرك أهمية حلفاء أميركا، الذين ساهموا في ترسيخه وبالتالي جلبوا الاستقرار والسلام وحاربوا الأنظمة المارقة، مثل طهران والجماعات الإرهابية مثل القاعدة ومن هنا نفهم علاقته القوية بالسعودية.

أما علاقته بترمب فقد تدهورت قبل أن تبدأ، على الرغم من أن الرئيس الأميركي نفَّذ - تقريباً - كل ما طالب به. عاقب الأسد وحاصر إيران وأكمل الحرب على الإرهاب وأعاد الدفء للعلاقات المتجمدة مع الأصدقاء. وداخلياً خفَّض الضرائب وخفَّف من القيود وأنعش الاقتصاد. ومع ذلك لم يحظَ باحترامه ومحبته وسدد لترمب طعنة غادرة، عندما صوت ضد الإطاحة بمشروع أوباما للتأمين الصحي، الذي يرفضه تقريباً كافة الجمهوريين.

هناك ثلاثة تفسيرات لمثل هذا الموقف. الأول: ماكين انضم لطائفة من الجمهوريين الذين يعتقدون أن ترمب اختطف الحزب الجمهوري ومزقه. موقفهم هذا يهدف للمحافظة على التقاليد وإيقاف المدرعة ترمب عن دهس كل ما تبقى من القيم المحافظة. التفسير الثاني ينطلق من كراهية شخصية بين الرجلين، ولقد قام ترمب بعد انتقادات حادة من ماكين له بتوجيه هجوم مسموم له، حينما شكك بمجده في حرب فيتنام عندما قال إن الأبطال لا يتعرضون للأسر. من حينها حقد عليه حتى بعد موته وكتب في وصيته أن لا يحضر جنازته. ولا ننسى أن ماكين الذي كان حلمه أن يكون رئيساً رأى ترمب يحققه. التفسير الثالث الفرق بين الشخصيتين. ماكين يظهر أحيانا بشخصية العجوز النكد، مثالياً ومبشراً لدرجة التعنت والإملال.. أما ترمب فواقعي وصاخب لدرجة الفظاظة والفجاجة. وبسبب هذه الكراهية المتبادلة أمر ترمب بتنكيس العلم الأميركي على مضض، في الوقت الذي استثمرت وسائل الإعلام موقف ماكين من ترمب لإظهاره بصورة المنبوذ والمكروه حتى من شخصيات جمهورية محترمة، وليس فقط من الأوساط اليسارية والمعادية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.